الصفحة 21 من 27

سؤالنا: كيف تستفيد الولايات المتحدة من هذه الحروب؟ سنحاول الاجابة على هذا السؤال في الزاوية القادمة باذن الله.

يقول يفغيني بريماكوف بأن الولايات المتحدة 1991 كانت حريصة على اندلاع الحرب في الخليج أكثر من حرصها على الانسحاب العراقي من الكويت (أنظر كتابه الموسوم «مهمتي في بغداد My Mission in Baghdad» ) . ويشير إلى أن الولايات المتحدة اختارت الحرب وحرصت عليها ذلك لأن الحرب تحقق لها نتائج ومغانم استراتيجية أكثر بكثير من مجرد انسحاب العراق من الكويت. الآن وبعد مرور أكثر من عشر سنوات، جدير بنا نحن أهل الخليج أن نفكر بملاحظة بريماكوف هذه ونتمعن بها ونسأل أنفسنا: لماذا اختارت الولايات المتحدة الحرب 1991 وحرصت على إفشال أي حل سياسي لموضوع العراق والكويت؟

وبعد ذوبان الاتحاد السوفياتي 1992 وتشرذمه إلى خمس عشرة جمهورية تعالت الأصوات في الولايات المتحدة: إذن من العدو القادم؟ فالأمريكان دائما بحاجة إلى عدو خارجي لتفريغ ترسانتهم العسكرية فيه وتشغيلها معه. وظهر علينا ريتشارد نيكسون (الرئيس الأمريكي الأسبق) بكتابه الخطير الموسوم: «انتهزوا الفرصة Seize the Moment» ليقول للأمريكان إن الفرصة مواتية لهم ـ وقد سقط الاتحاد السوفياتي ـ أن يفرضوا على العالم وبالقوة ما أسماه بـ «الريادة الروحية الأمريكية American Spiritual Leadership» وذلك ـ يقول ـ قبل أن يستيقظ (المارد الأخضر) قاصدا الإسلام والأمة الإسلامية! ونسأل أنفسنا: لماذا اختار نيكسون خيار الحرب والهيمنة كوسيلة للتعامل مع العالم الإسلامي؟

ولماذا نذهب بعيدا، فها هو فرانسيس فوكوياما (المفكر الاستراتيجي الأمريكي وصاحب نظرية ـ نهاية التاريخ المضحكة) لقد كتب فوكوياما في مجلة نيوزويك 25/ 12/2001 مقالة فيها من الهذيان والفلتان الشيء الكثير. يقول بأن العدو الحقيقي للولايات المتحدة وعلى مستوى العالم هو الاصولية الإسلامية (ولا نختلف معه في ذلك على الإطلاق) ولذلك ـ يقول ـ بأن السبيل الوحيد هو مزيد من القصف في أفغانستان والانتقال بعد ذلك إلى العراق لكن ـ يستدرك ـ قبل الانتقال إلى العراق ـ لا بد من القضاء تماما على أي أثر للأصولية الإسلامية في الأفغان. ويمضي إلى القول بأن الطريقة الوحيدة والصحيحة للتعامل مع العالم الإسلامي هي استخدام القوة المسلحة الأمريكية لأن المسلمين لا يفهمون ـ حسب زعمه ـ إلا هذا الأسلوب.

? ولسنا هنا في مجال الرد على هذيان نيكسون وحكاية (الريادة الروحية الأمريكية) لهذا العالم، كما أننا لسنا في مجال الرد على هستيريا فوكوياما، لكن نيكسون وفوكوياما وملاحظة بريماكوف تدفعنا إلى السؤال: لماذا دائما تميل الولايات المتحدة إلى خيار الحرب؟

نكمل في الزاوية القادمة بإذن الله.

لماذا كانت الولايات المتحدة وما زالت منذ 1950 حتى الآن ميّالة في اغلب الاحيان لقرار الحرب اكثر من قرار السلم عندما يعترض مسارها اي خلاف في علاقاتها الدولية؟ ولماذا نلاحظ ـ في الفكر الاستراتيجي الامريكي ـ تأكيد فكرة وجود (العدو الخارجي) الذي ينبغي محاربته والحذر منه ومحاولة استئصاله؟ ولماذا دائما تلجأ الادارات الامريكية المتعاقبة على البيت الابيض للتهديد والوعيد في علاقاتها مع الدول الصغيرة؟

في اجاباتنا على هذه الاسئلة سوف نركز على الاسباب (الداخلية الامريكية) التي تفسر هذا الاتجاه لدى الولايات المتحدة؟ وسوف نختصرها بالتالي:

اولًا: الوعاء السكاني للولايات المتحدة فسيفسائي من حيث التكوين فهو يشمل نُزعًا من القادمين من المانيا وايرلندا وبولندا واسبانيا وانجلترا والبرازيل والمكسيك واليونان وايطاليا واليابان وايران وفيتنام والصين وغيرها ولكل فئة من هذه الفئات حظيرتها الثقافية (لغوية ودينية واثنية) التي تميزها عن بقية الفئات وليس هناك في الولايات المتحدة (ثقافة موحدة) لهذه الفئات وما يجمع هذه الفئات هي المصالح اليومية المتواترة ليس الا مع بقاء هذا الحنين الدافىء (النوستالجيا ( nostalgia للثقافة الام ما وراء البحار. لذلك سنلاحظ ان فكرة(العدو الخارجي) الذي يهدد هذه المصالح التي تجمع هذه الفئات كانت خير وسيلة فعالة لتوحيد الموقف الداخلي الامريكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت