متوازن. استمرار هذا النهج الذي اختطته الإدارة الأمريكية لن يحقق العلاجات الموضوعية للمشكلة، بل العكس هو الصحيح، إذ ثمة نبرة حتى في الإعلام الامريكي نستطيع أن نتلمس من خلالها حالة وليدة من الاحباط العام هناك برغم الشنشنة الإعلامية في المؤتمرات الصحفية لرامسفيلد.
ليس هذا فحسب بل إن تداعيات هذا الأمر وتفريعاته بدأ يعرض علاقات الولايات المتحدة ـ حتى مع حلفائها التقليديين ـ لكثير من الخلخلة التي لا يعرف المرء إلى أين ستنتهي. وإن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأمريكية في دول العالم وذلك بغية استحلاب تأييد دولي فعلي هي ضغوط تؤدي في محصولها السياسي إلى توتير علاقات الولايات المتحدة بتلك الدول وتوليد نزاعات جديدة تغذي كراهية شعوب هذا العالم وسأمها من الكولونيالية الجديدة التي يرمز إليها هذا الأمر.
صموئيل هنتنجتون S. Huntington ( صاحب مقولة صراع الحضارات) كتب يوما في مجلة الفورين أفيرز ذائعة الصيت مقالة مفيدة وصف فيها الولايات المتحدة ـ بعد سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي 1991 ـ بأنها رويدا رويدا ـ ستجد نفسها تتجه نحو (العزلة الدولية) وما أسماه بالاغتراب الدولي International Alientaion ولذلك من الممكن وصفها ـ حسب هنتنجتون ـ بـ The Lonily Superpower وليس Thi Only Superpower ويبدو أن نبوءة الخواجة صموئيل قد صدقت.
وماس فريدمان (يهودي صهيوني أميركي) وأحد اشهر المعلقينن السياسيين في جريدة نيويورك تايمز كتب في 12/ 12/2001 مقالة كشف فيها الاستهدافات الثقافية والدينية والتعليمية للحملة الانجلو أميركية العسكرية في بلاد الأفغان، خلاصة رأي فريدمان ان كل الحركات والجماعات الإسلامية الجهادية تخرجت من الجامعات والمعاهد والمدارس الدينية التي تبث العلوم الشرعية الدينية، وانه اذا ارادت الولايات المتحدة (تجفيف منابع الإرهاب) على حد تعبيره فما عليها الا ان تضغط على حلفائها في العالم الإسلامي لاغلاق هذه المدارس الدينية أو على الأقل التحكم في مناهجها وفق المصالح الأميركية.
ويبدو ان مقالة فريدمان وغيره جزء لا يتجزأ من المجهود الانجلو أميركي للتدخل في الفضاءات الثقافية والدينية والتعليمية في العالم الإسلامي وصياغتها من جديد وفق المصالح الانجلو أميركية والوضع الذي استجد بعد 11/ 9/2001. - والشيء المؤسف ان البعض في العالم الإسلامي يتلقون هذه الاشارات من الأميركان بشكل ميكانيكي ودون تمحيص وفحص وتدقيق ومعرفة موضوعية بمبتدعيها لذلك يكون مفيدا ان نسجل هنا تحفظنا على مقولة فريدمان ومن ذهب مذهبه هنا وهناك ونشير للنقاط التالية:
أولا: ان معظم ان لم يكن كل قيادات ومؤسسي الحركات الجهادية في العالم الإسلامي لم يتخرجوا من جامعات إسلامية أو كليات للعلوم الشرعية أو مدارس دينية بل ان معظمهم تخرجوا من كليات الطب أو الهندسة أو الصيدلة أو العلوم التطبيقية ولا أدل على ذلك من ان الحركة الطلابية الإسلامية في الأقطار المركزية تجد قاعدتها التصويتية في كليات الطب والهندسة والصيدلة والعلوم التطبيقية وغيرها، لا بل ان اضعف وجود للحركات الجهادية هو في المدارس الدينية والمعاهد الشرعية التي يتخرج منها ــ في الأغلب والأعظم ــ أجيال كثيفة من الموظفين التقليديين في وزارات الأوقاف والشؤون الدينية البعيدين تماما عن المقولات الراديكالية مثل الجهاد.
ثانيا: وتأسيسا على ذلك سنلاحظ ان الشيخ بن لادن مهندس ولم يتخرج من كلية للعلوم الشرعية وان د. أيمن الظواهري طبيب جراح وعيادته في حي المعادي ــ القاهرة معروفة ولم يتخرج في يوم من الأيام من كلية للعلوم الشرعية وهذا ايضا ينطبق على خالد مشعل (علوم سياسية) وعبود الزمر (علوم عسكرية) وكذلك رمضان عبدالله ومحمد عاطف وعصام القمري وخالد الإسلامبولي وغيرهم وغيرهم لم يتخرجوا من مدارس دينية أو معاهد شرعية مما يدحض مقولة فريدمان دحضا كاملا. (نكمل مناقشة فريدمان في الزاوية القادمة باذن الله) .
ما نشره توماس فريدمان (يهودي صهيوني امريكي) في نيويورك تايمز 12/ 12/2001 من رأي ناقشناه في الزاوية السابقة يعتبر ضربا من ضروب الوصاية الثقافية والفكرية الامريكية علينا هنا في الجزيرة العربية