فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 30

... وواضح من السياق أن الشاعر يريد القول بأن الظبية تهجر ولدها نهارًا إلا من نظرات تختلسها إليه بين الفينة والأخرى. والترتيب النثري لهذا الشطر هو:"وتهجره نهارها إلا اختلاسًا"ولا شك في أن عزوف الشاعر عن هذا الترتيب، واللجوء إلى الترتيب الآخر، إنما كان لإقامة الوزن من جهة، وتقديم المستثنى لإظهار الاهتمام به، وتشويق السامع من جهة أخرى. وهذا يتفق مع الملاءمة التي تقتضيها لغة الشعر بين ترتيب الألفاظ وترتيب المعاني في النفس.

ونجده يلجأ إلى مثل هذا في قوله:

تداويت من ميّ بتكليمة لها ... فما زاد إلا ضعف دائي كلامها (28)

... فالمعنى ما زاد كلامها إلا ضعف دائي. وعلى هذا قد بدأ عبارة الاستثناء بإلا مؤخرًا الفاعل إلى نهاية الجملة، وما من حجة له في ذلك إلا مراعاة الوزن. وهو مع ذلك يراعي بتقديم المستثنى"ضعف دائي"الحقيقة الوجدانية والشعورية التي أراد تصويرها في شعره.

... وفي موضع آخر نراه يشتط في الاستخدام الملتوي للاستثناء بسوى. فيصف بادية أصبحت مغانيها مقفرة لم تؤهل بسوى الوحش. فقدم سوى على الفعل وفصل بينها وبين الجار والمجرور:

وأضحت مباديها قفارًا بلادها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل (29)

... وزاد على ذلك بأن فصل بين"لم"والفعل المجزوم بها"تؤهل"وهذا غير سائغ ولا مستحسن. ومراعاة الترتيب الذي تقتضيه القافية"تؤهل"هي التي حملته على اللجوء لهذا الترتيب. وقد يكون هذا البيت من الأبيات النادرة التي يصدق عليها وصف"المعاظلة"وهي أن يركب الكلام بعضه بعضًا فيما يرى صاحب كتاب الصناعتين (30) . وهو مختلف عن نظيره في الفصل بين متلازمين في العبارة، أعني الفصل بين المضاف والمضاف إليه بشبه الجملة:

كان أصوات، من إيغالهن بنا أواخر الميس، إنقاض الفراريج (31)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت