... فهو يشبه أصوات الرحال التي صنعت من شجر الميس بأصوات الفراريج ففصل المضاف"أصوات"عن المضاف إليه"أواخر الميس"بشبه الجملة:"من إيغالهن بنا"ولعلّه لم يرد الفصل بقدر ما أراد التركيز على سبب صدور تلك الأصوات ومصدرها فجاء بعبارة"من إيغالهنّ بنا"على سبيل الاعتراض القوي الذي يدركه سامع الشعر وقارئه بالتنغيم أكثر مما يدركه من ترتيب الكلم المكتوب (32) ولا يفوتنا أن الاعتراض في وجه من وجوهه يعد من محاسن الأسلوب إذ هو ترجمة لما يعتمل في نفس الشاعر من اضطراب نفسي. ونحو ذلك ما نراه في قوله:
ترى الربعة القوداء منه كأنه ... ... مناد بأعلى صوته القوم لامع (33)
... فقد فصل بين كلمة"مناد"وهي أسم فاعل ومعمولها"القوم"بالجار والمجرور"بأعلى صوته"وهذا يتفق مع مبدأ التوسع في استخدام شبه الجملة، فعل ذلك من باب تتميم التشبيه بين قنة الجبل الشامخة والمنادى الذي يشرئب بعنقه رافعًا صوته. وهو بذلك يزيد من قوة التشبيه والتوكيد على علو الجبل. أما كلمة"القوم"فقد جاءت متأخرة لأنها في الأصل فضلة من الناحية النحوية لكنها ضرورية من حيث أنها غاية النداء.
... ومن قبيل الفصل بين المتلازمين فصله"ذو"وهي ألصق شيء بالمضاف إليه إذ لا معنى لها بغيره، عمّا أضيفت إليه بشبه جملة:
نضا البرد عنه، فهو ذو، من جنونه،
... أجاري، تسهاك وصوت صلاصل (34)
... ففي وصفه ثور الوحش هنا يذكر أنه ذو عدو وسرعة يصدر عنهما صوت يشبه الصليل. فجاء بالجار والمجرور"من جنونه"ليفصل بين المضاف"ذو"والمضاف إليه"أجاري"وهو ضرب من العدو.