... ولا شك في أن مثل هذا الفصل تسوّغه قواعد النحو ولكن ما يسوّغه فنيًا وجماليًا الاحتكام إلى التنغيم في إلقاء الشعر، والتوقف وقفة قصيرة عند كلمة"ذو"باعتبارها مفصلًا ينتقل بعده الشاعر لبيان سبب تلك السرعة الجنونية. ثم يستأنف الإلقاء متوصلًا إلى الوصف التالي وهو بيان السرعة والأصوات. فترتيب الكلمات هنا ليس منافيًا للقاعدة النحوية التي لا تمنع الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور إذا استدعت ذلك الضرورة أو السياق (35) ولكن ترتيب الشاعر ألفاظ البيت منسجم مع الطريقة التي يلقى فيها مثل هذا الشعر، ولا يفوتنا أن الشاعر عاش في حقبة طغت فيها الشفاهية على الكتابة. وما ورد في شعره من كلمات توحي بمعرفته الكتابة لا يعني بالضرورة أنه كان يكتب قصائده (36) . ويفصل ذو الرمة بين المعطوفين مقدما المعطوف على ما هو معطوف عليه:-
تريك وذا غدائر واردات ... يصبن عثاعث الحجبات سود
مقلد حرة أدماء ترمي بحدّتها بفاترة صيود (37)
... وإنما أراد القول: إن مي تريك مقلد حرة وشعرًا ذا غدائر فقدم المعطوف"ذا غدائر"على المعطوف عليه وهو"مقلد"وزاد على هذا أن جعل من البيت الثاني"مقلد حرة"معلقا بالبيت الذي قبله إذ إن مفعول"تريك"الثاني لم يتضح إلا بقوله"مقلد حرة"وهو ما سماه البلاغيون والعروضيون تضمينًا وعدوه عيبًا من عيوب الشعر.
... ومع أن قواعد النحو تجيز تقديم المفعول به على الفعل والفاعل في مثل قوله تعالى:"ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون" (38) وفي مثال قوله:"فأما اليتيم فلا تقهر" (39) وفي مثل:"وإذا ابتلى إبراهيم ربّه" (40) فإن النحاة وضعوا شروطًا وحددوا أحوالًا لوجوب تقديم المفعول به أو تأخيره، ونحن نرى الشاعر ذا الرمّة يقدم المفعول به استجابة لحاجة في نفسه، ومراعاة للنسق العروضي:
فإن كنت إبراهيم تنوين فالحقي ... ... نزره وإلا فارجعي بسلام (41)