فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 30

... فمثل هذا التقديم غير مطرد في تعاقب رتبتي المفعول والفعل. وقد يكون اضطراره لسببين. الأول: تقديم اسم الممدوح لإبرازه، وإظهاره الاهتمام والعناية به وفي ذلك ما ينسجم مع هواه، وغرضه من المديح. والثاني أن الترتيب، على وفق ما تقتضيه القاعدة المطردة يخل بالوزن ويجافي العروض.

أسلوب النفي:

... والملحوظ أن لدى ذي الرمة استعمالات غير مطردة في أسلوب النفي فهو يكرر النفي في التركيب الواحد جامعًا بين"لا"و"ما"في قرن:

أراجعة يا مي أيامنا التي بذي الرمث أم لا ما لهن رجوع (42)

... وهنا لابد من تقدير وقفة قصيرة عند"لا"يستأنف الشاعر النطق بعدها. فكأنه جعل البيت من سلسلتين صوتيتين، يتوقف في أولاهما عند الحرف ,لا، ليأتي بعد ذلك بعبارة:"ما لهن رجوع"التي هي شرح وتوكيد لما عناه بقوله أم لا. فكأنه جمع بين نغمة السؤال في أراجعة أم لا؟ ونغمة الجواب الكسير الأسيف: ما لهن رجوع.

وفي سياق ثان يستخدم النفي المعروف بالتبرئة، أي لا النافية لعموم الجنس من غير أن يذكر اسمها. وهذا شيء لا يطرد في هذا النوع من التراكيب:

لعرفانها، والعهد ناء، وقد بدا ... ... لذي نهية، ألا إلى أم سالم (43)

... فهو يتحدث عن الديار وتعرفه إليها على طول البعد والفراق، فيبدو له، وقد رجع إلى عقله، أن لا سبيل إلى تلك المرأة التي سمّاها أم سالم فحذف اسم لا لفظًا"سبيل"وهذا غير سائغ. وقد نص النحاة على جواز حذف خَبَر لا النافية للجنس إذا علم من السياق، مثل قوله تعالى:"لا ضير، إنا إلى ربنا منقلبون" (44) ولا يشيرون إلى جواز حذف اسمها بل يؤكدون ضرورة ألا يفصل بينها وبينه فاصل. فهي واسمها كالعدد المركب ثلاثة عشر وأربعة عشر. (45)

... ولا مشاحة في أن حذف الشاعر لاسم"لا"هنا ثغرة أوجدت نقصًا في تسلسل البيت يضطر السامع أو القارئ إلى توقعه وإضافته إلى الملفوظ الشعري، مما يضفي على البيت جمالًا لا يتحقق لو أنه لجأ إلى الذكر عوضًا عن الحذف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت