فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 30

... وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هو: أليس من الجائز أن يكون الشاعر قد بنى هذا التركيب آخذًا بحسابه ما يتوقعه القارئ؟ ولو أجبنا عن مثل هذا السؤال بالإيجاب كنا كمن يسلم بفرضية خطيرة، وهي أن بوسع الشاعر إسقاط ما يريد من الأركان الأساسية للبنيات اللغوية اعتمادًا على زكانة المتلقى ونباهته ورهافة تلقيه معاني الشعر. وإذ ذاك يصبح من العبث دراسة لغة الشعر في ضوء المعايير التي جرى عليها الإجماع، وتجلى فيها الاطراد، وصح القياس.

... وفي بيت آخر نجد الشاعر يعمل"لا"النافية للجنس على الرغم من دخولها على اسم علم والشائع أن يكون اسمها وخبرها نكرتين. قال تعالى:"ذلك الكتاب لا ريب فيه" (46) ولا يسوغ أن يأتي اسمها معرفة إلا إذا أمكن تأويله بنكرة، كقول الناظم:

وتبكي على زيد ولا زيد مثله ... ... برئ من الحمّى سليم الجوانح (47)

... وعلى غير هذا القياس تهمل لا النافية ويبطل عملها. وأما ذو الرمة فقد أعملها جاعلًا من اسم المرأة التي شبب بها وتغزل اسمًا لها:

ولامي إلا أن تزور"بمشرف"... أو"الزرق"من أطلالها دمنا قفرًا (48)

... وقريب من هذا ما عمد إليه في إعمال"لا"عمل ليس مع أن اسمها في قوله الآتي معرفة وكان يجب أن يكون نكرة، إذ يشترط الحجازيون في إعمالها شروطًا منها أن يكون اسمها وخبرها نكرتين (49) .

ومن ذلك قول الناظم:

تعز فلا شئ على الأرض باقيًا ... ... ولا وزر مما قضى الله واقيًا (50)

ومن ذلك نرى ذا الرمة يعملها عمل ليس مع المعرّف، فهو يقول:

وحلّت سواد القلب لا أنا باغيًا ... سواها ولا في حبّها متراخيًا (51)

وقد اتخذ هذا البيت شاهدًا عند بعض النحاة استخلصوا منه جواز إعمالها مع المعرفة، وعضدوه ببيت آخر للمتنبي يقول فيه:

إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيًا (52)

... ومع أن ذا الرمة تميمي على ما يذكر في شعره، وما جاء في أخباره، إلا أنه يضرب صفحًا عن كون التميميين لا يعملون (ما) و (لا) عمل ليس (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت