... وهذا يشجّعنا على القول بأن النحاة في زعمهم بأن تميمًا لا تعمل هذين الحرفين فيه شئ من الإطلاق الذي ينسجم مع الواقع الذي يشهد به هذا المثال وغيره. أو أن الشاعر يتوسع في انتقاء القواعد النحوية التي يتّبعها في شعره. فأي القاعدتين - التميمية أو الحجازية - وافقت ذوقه وكانت الأنسب لتعبيره اختارها واتبعها غير معني بقواعد النظر النحوي.
... ولاشك في أن الجرس الصوتي هو الذي قاد الشاعر لنصب باغيًا هنا فالياء والتنوين يتمّان البنية العروضية للشطر.
أسلوب الذم والمدح:
... وإنشاء المدح والذم في العربية أسلوب معروف، وله الفعلان الجامدان المشهوران: نعم وبئس، فضلًا عن حبّذا ولا حبّذا. وكل من"نعم"و"وبئس"في حاجة إلى فاعل واسم مخصوص بالذّم أو المديح. كأن يقال: نعم الرجل زهير. فالرجل هو فاعل نعم وزهير هو المخصوص بالمديح.
... ويجوز في فاعل نعم وبئس أن يكون اسمًا ظاهرًا معرفًا أو مضافًا أو ضميرًا مستترًا مفسرًا بنكرة منصوبة على التمييز نحو:"نعم رجلًا" (54) . وقد لجأ ذو الرمة إلى هذا القياس امتثالًا لضرورة الوزن والموسيقى. فنراه يقدّم المخصوص بالمدح على نعم وعلى النكرة المفسّرة:
أبو موسى فحسبك نعم جدًا ... ... وشيخ الركب خالك نعم خالًا (55)
... ونحسب أن يكون لجوؤه إلى هذا التركيب - هنا - حرصًا منه على تقديم المخصوص بالمدح وهو أبو موسى جدّ الممدوح بلال بن أبي بردة الأشعري (56) إظهارًا له وتعظيمًا لمكانته. وحذا حذوه في الشطر الثاني بأن قدّم ذكر خاله على ذكره. وأيا ما كان الأمر فإن الذي لا مندوحة لنا من إقراره وتوكيده هو أن الشاعر يميل في مثل هذا التركيب إلى الاستثناء وليس إلى القاعدة المطردة. وهذه سمة قد تسلط الضوء على نزعة أسلوبية لديه هي الميل إلى التوسع كلما ضاقت العبارة.