فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 30

... ولا يحتاج الأمر إلى طول تدبر من القارئ ليلمح ما رمى إليه الشاعر، وهو أنه أراد القول: إن الظبية لم تبد في تصرفها إلا ذعرًا، أو أن الظبية أبدت في تصرفها ذعرًا، وقد يتأول القارئ الشطر على النحو الآتي: ولم تبد تصرفًا في تصرّفها إلا ذعرًا أو أراد أن الظبية لم تبد ذعرًا إلا في تصرّفها. وأيا ما كان التأويل الذي يجنح إليه النحو في تخريج هذا التركيب فإن الذي لا مفر من تأكيده هو أن الشاعر فصل بين أداة الحصر ومعمولها ذعرًا، وأقحم شبه الجملة بينهما وهو شيء اعتاده بعض الشعراء حين يضطرهم الوزن ويحملهم السياق والضرورة على ذلك.

... ولم يظهر تركيبه، مع ذلك، سالكًا مسلك الافتعال والتعسف، وقد يشف ذلك عن حقيقة لغوية يتجاهلها كثيرون منا، وهي أن التراكيب النحوية التي وصفت في كتب النحاة تعاورها التغيير من زمن إلى زمن، ولم تكن على وتيرة واحدة. ومما يدعم هذا التصور تكرار ذي الرمة مثل هذا التركيب؛ فهو يقول في وصف ذات طبية طلى:

حذار المنايا رهبة أن يفتنها ... به، وهي إلا ذاك أضعف ناصر (26)

... فقد بدأ جملة الاستثناء بإلا مؤجلًا ذكر المستثنى منه، إذ المعنى وهي أضعف ناصر له. أو ليس لها من ناصر إلا ذاك الحذر الذي نبّه عليه الشاعر في أول البيت.

... فحرصه على قافية البيت جعله يقدم ويؤخر بما يؤدي إلى ربط نهاية البيت بصدره. والإحالة بالمستثنى، وهو اسم الإشارة"ذاك"إلى الحذر الذي استهل به الشطر الأول منه.

... وفي بيت آخر من القصيدة نفسها يؤخر الشاعر ذكر المستثنى منه"نهارها"مقدما كلا من الأداة والمستثنى:-

وتهجره إلا اختلاسًا نهارها وكم من محب رهبة العين هاجر (27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت