... ولا شك في أن الذي أضطره إلى هذا هو الوزن. ويمكنا أن نتخيل الشاعر يلقي بيته هذا فيتوقف عند"إلا"وقفه قصيرة فيما يشبه المفصل Juncture الذي يشير إليه المحدثون في كلامهم على الفونيمات فوق التركيبية. وهو انتقال transition أو سكتة خفيفة بين كلمات أو مقاطع بقصد الدلالة على انتهاء جزء ما من الكلام وابتداء جزء آخر (23) . ثم يستأنف الإلقاء فيذكر المنادى منتقلًا بعده إلى ذكر المستثنى في شيء من النطق الشديد والتنغيم المرتفع للدلالة على ارتباط هذا الاسم"غادر"بأداة الاستثناء المذكورة، أي أنه يختتم كلامه بقافية متوقعة يبني بها صدر الكلام.
... ومثل هذا التصور - إذا صح - يتيح للباحث المتعمق في مثل هذه التراكيب اكتناه الأسلوب الذي اتبعه في إلقاء شعره. وهذا - بلا ريب - كاشف عن الدواعي الصوتية الأسلوبية التي دفعت به لانتهاج هذا النهج إلى جانب حرصه على تضمين اللفطة الأخيرة شحنة انفعالية كبيرة. فلو أنه قال - مثلًا:
هل الناس إلاغادر وابن غادر ... ... وواف، وما فيكم وفاء ولا غدر
... لكان المعنى تامًا. ولكنه في هذه الحال يفتقر إلى التخصيص الذي أضفته على البيت عبارته:"يا امرأ القيس".
... وعلى الرغم من أن أكثر النحاة أوجبوا في الاستثناء بنوعيه: الموجب وغير الموجب ألا تتقدم أداة المحصور أو المستثنى (24) إلا أن ذا الرمة لا يقيم وزنًا لتلك القاعدة. إذا جاء بهذا الأسلوب مقلوبًا، بحيث جعل الأداة أولًا، يليها المستثنى منه، ثم المستثنى في قوله يصف ظبية:
رأت أنسًا عند الخلاء فأقبلت ... ... ولم تبد إلا في تصرفها ذعرًا (25)