... ولعلّ في المثال ما يوضح أن الوزن والقافية والإيقاع الشعري - بكلمة أعم - يجعل من نظام التعبير في لغة الشعر نظامًا غير مستقر، ولا يقوم على قواعد ثابتة، جامدة، لأن الشاعر يندفع بطبعه، وبسبب أولوية الإيقاع والوزن، إلى التصرف بالأسلوب، والتراكيب، والصيغ، تصرفًا لا يرتاح له النحوي والصرفي الذي لا يجد في الشعر إلا شاهدًا يدعم به رأيًا في مسألة من مسائل النحو أو الصرف. وكان هذا شأن ذي الرمة في شعره. فما الضرائر القولية التي ظهرت فيه ولم ترق لجماعة اللغة، وأئمة النحو؟. لابد من النظر في التراكيب والأبنية الصرفية والأداء الصوتي لتكون الإجابة عن السؤال تامة وشاملة ومقنعة.
1-التراكيب:
... نرى في بعض أبيات ذي الرّمة تجاوزه السائد والمألوف في ترتيب عناصر الجملة. فيسعى في بعضها إلى الفصل بين ما هو متلازم منها، بأن يقحم كلمة أو أكثر بين كلمتين متلازمتين. ففي أسلوب الحصر الذي هو نوع من الاستثناء ينحرف به الشاعر إلى التوكيد لأنه لابد من أن يعقب المستثنى أداة الاستثناء"إلا"مباشرة بعد أن يكون الشاعر قد وطأ لها بالنفي"هل"ويذكر المستثنى منه"الناس"فيأتي بجملة المنادى:"يا امرأ القيس"قبل أن يذكر المستثنى:
هل الناس إلا - يا امرأ القيس - غادر
وواف، وما فيكم وفاء ولا غدر (22)