فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 30

... وإذا نحن تذكرنا ما للوزن من أثر في بناء الشاعر للتراكيب وجدنا أنه هو الذي فرض على الشاعر مثل هذا الترتيب فرضًا. فالوزن الذي هو تنظيم استثنائي للمعاني والألفاظ في إطار نسق تضبطه التفعيلات، يخلخل النظام التعبيري السائد في لغة النثر، ويجعل هذا النظام في الشعر نظامًا يقوم على قواعد غير مألوفة ينتقيها الشاعر متخليًا عن"الأعراف النحوية"التي يفرضها الاستعمال السائد لمعاني النحو والصرف.

... ولا يقل تأثير القافية في الأداء اللغوي للشاعر عن تأثير الوزن والإيقاع بصفة عامة.

... وقد تنبّه البلاغيّون إلى ظاهرة أشاروا إليها كثيرًا وهي ارتباط الكلام الشعري من حيث ترتيبه وتنظيميه بالقافية المنتقاة للبيت. وتحدّثوا عما سمّوه"تصديرًا" (17) أو تسهيمًا (18) أو"رد العجز على الصدر (19) "فيما ذكر ابن المعتز (296هـ) . وهو في رأينا لا يتجاوز القول بأن كلمة في آخر البيت تتأثر تأثرًا ملموسًا بما سبقها من كلمات، وفي العناصر الصوتية، والصرفية، في سائره، بل يتجاوز تأثيرها البيت الواحد إلى المجموعة من الأبيات. ويرى مؤلفًا نظرية الأدب Theory of Literature في القافية"ركنًا قوّي الأثر في السمات العامّة للعمل الشعري؛ فالكلمات تقترن - بعضها إلى بعض - بالقافية، فتتواصل أو تتقابل (20) ".

ويتضح ذلك من البيت الآتي لأبي الطيب المتنبي:

أريد من زمني ذا أن يبلّغني ... ما ليس يبلغه من نفسه الزمن (21)

... فلا ريب في أن كلمة الزمن التي تبوأت مكانها في قافية البيت أشاعت تأثيرًا ملموسًا في بقية عناصره. ويتمثل هذا التأثير في علاقة التواصل بين الشطر الأول والثاني بتكرير الناظم لكلمة"زمن"وتكريره كلمتي"يبلّغ"و"يبلغ". وإلى جانب هذا التواصل بين شطري البيت أنشأ الشاعر ضربًا من التقابل بين حاجته هو وحاجة الزمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت