... وهذا ما فطن له بعض القدماء ممن أجازوا للشاعر ما لم يجيزوه لغيره (9) . والتفت إبراهيم أنيس في كتابه من أسرار اللغة إلى هذه الظاهرة (10) . مؤكدًا أن أداء الشاعر يخالف أداء الناثر لأن ما لا يحسن في النثر من حذف أو تكرار أو تعبيرات مقلوبة أو ناقصة أو تركيبات نحوية تخالف العرف السائد أو استعمال صيغ صرفية غير دارجة في الإطار المسموع في لغة الحديث اليومي قد يكون مقبولًا في الشعر، وأكثر من ذلك قد يكون مستحسنًا لا تمجه الأذواق، ولا تنبو عنه الأسماع (11) وما يذهب إليه إبراهيم أنيس - الذي تناول في ضوء ملاحظته تلك أمثلة من شعر المتنبي (12) - يتفق، اتفاقًا كاملًا - مع النظر الأسلوبي الحديث الذي يعمد إلى دراسة ما في لغة الشعر من انحرافات (13) deviations عن الأداء العام العادي مثل: التكرار، وقلب نظام الكلمة، أو بناء الجمل بناء متشابكًا يخالف فيه الشاعر التراتيب السائدة، جاعلًا من هذا الاستقصاء بحثًا في جمالية الشعر، وخواصه التي تميزه: كالتأكيد أو التوضيح أو التعمية"الغموض"أو الطمس المتعمد لبعض الفروق (14) .
... ومثل ذلك ينشأ من الوزن ومن غيره على ما ذكر عبد القاهر الجرجاني (471هـ) في كتابه دلائل الإعجاز. فالشاعر يتوخى في شعره أن يضع ألفاظه وتراكيبه الوضع الذي تقتضيه قواعد النحو (15) غير أن هذا مختلف من شاعر إلى آخر، فإننا نجد شاعرًا يقدم ويؤخر بحيث يجعل الكلام المنظوم كلامًا فيه من البيان ما يدهشك ويسرك وآخر لا يلجأ إلى مثل ذلك فيكون شعره خاليًا من الحلاوة، عاريًا من البيان. وتأثير النظم في ذلك كتأثير الاستعارة. فلو أن الشاعر الذي قال:
سالت عليه شعاب الحيّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدّنانير
... لم يعمد إلى الاختيار بأن قدم وأخر، فنظم البيت على نحو يجيء فيه قوله: حين دعا أنصاره سالت عليه شعاب الحي بوجوه كالدنانير لما عدّ هذا القول شعرًا (16) .