وما جاء في الآية المذكورة من قوله"ودون الجهر"فليس معناه تعطيل اللّسان من الذكر وإنما فيه توضيح لوصف طريقة الذكر وذلك أن لا يكون جهرًا ولا خفاءً بل يكون دون الجهر، وفوق الخفاء.
أمّا ما استحدثته النقشبنديّة من بدعة الذكر القلبيّ فان فيها سرًّا لا يكاد يطّلع على حقيقته أحد من متأخري مشائخ هذه الطائفة لجهلهم بما تعرّضت له طريقتهم من استحالات وتبدّلات، وما استوحت من الأديان والفلسفات من أفكار وتفسيرات، وما تسرّب إليها مع الزمان من مصطلحات دخيلة وتعبيرات غريبة.
ذلك أن الطريقة النقشبنديّة قفزت إلى الهند في القرن العاشر الهجريِّ، فاستوحتْ من الديانة البرهمية والبوذية بعد أن نشأتْ في بلاد ما وراء النهر وتأثّرَتْ هناك بالشامانية والمزدكية، والمانوية في سابقها خاصّة فإنّ رجال هذه الطائفة، بدءًا من محمّد الباقي الكابُليِّ ومَنْ بعده إلى عبد الله الدهلويّ المعروف بشاه غلام علي، كلّهم من أهل الهند، وكلّهم متأثّرُونَ بالرهبنة الهندية بإقرار مشاهيرهم. ومنهم قسيم الكُفْرَويّ. إذ ينقل لنا صورةً جليّةً من حياة الروحانيّ الشهير بين أهل هذه النحلة، شمس الدين حبيب الله ميرزا مظهر جَانِ جَانَان. وهو من الطبقة الثانية عشرة بعد محمّد بهاء الدين البُخَاريّ مؤسس هذه الطريقة. يقول الكُفْرَويّ:"إنه كان يقتصر على التغذّي من العُشب والثمرات، ويعيش في أماكن خالية من البشر، ولا يرتدي إلا قميصا"73
إذًا يتبيّن لنا بوضوح أنّ هذا الرجل لم يكن على سنّة محمّد ( بل كان على سنّة بوذا الراهب مؤسّس الديانة البوذية.