"الخامس عشر: استحضار مسمّى هذا الاسم المقدّس، وهو الذات العليّة الإلهية في القلب69"نعم هذه كانت نُبْذَةً من آداب الذكر عند هذه الطائفة. والله سبحانه برئ من ذلك. إذ يقول تبارك وتعالى: {وَاذْكُرْ رَبّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلَ بِالْغُدُوِّ وَاْلآصَالِ، وَلاَ تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} 70 فتبيّن أنّه لا يتم الذكر إلاّ بالقول. أي بإخراج الحروف من مخارجها مع صوتٍ أدناه أن يُسْمِعَ الذاكرُ نَفْسَهُ. وإلا بطل الحكم بالقول، واختفت الحكمة، واقتصر الأمر على مجرد التصور والتفكر؛ مع أنّ المراد من الآية الكريمة هو القول دون الجهر، وليس التصور والتفكر؛ وان كان المطلوب من الذاكر أن يكون حاضر القلب متأمِّلًا في معنى كلّ كلمة يذكرها. وفي هذا الباب يقول الإمام النووي رحمه الله:"اعلم أنّ الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها واجبةً كانت أو مُسْتَحَبّةً، لا يُحْسَبُ شيء منها ولا يُعْتَدُّ بِهِ حتّى يتلفَّظ به بحيث يُسمِعَ نفسَه إذا كان صحيح السمع لا عارض له"71
إذًا فالذكر شيءٌ والفكر شيءٌ آخر. وقد جمع الله بين هذين المفهومين في آيةٍ واحدةٍ وهو مثالٌ رائعٌ من الإعجاز القرآنيّ، وإفحامٌ لمن عمي قلبه فالْتبس عليه الأمران. وبيّن سبحانه وتعالى الفرق بينهما في مضمون قوله:
{إِنّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاِت وَاْلأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي اْلأَلْبَابِ* الّذينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ} 72 أمّا الذكر بالقول"دون الجهر"، ففيه تعظيم لجنابه تعالى. إذ يعلم الله ما يجول في خلد الإنسان وما ينطق به لسانه سرًّا كان أو جهرًا. وكذلك فيه اجتناب من السمعة والرياء.