يتابع الكرديّ مقالته في سرد شروط المشيخة، فيقول في الشرط الرابع عشر:"أن يجعلَ له خلوة ينفرد بها وحده، ولا يمكّنَ أحدًا من مريديه أن يدخلها إلاّ مَنْ كان خصّيصًا عنده"64 يقول في الشرط السادس عشر:"أن لا يمكّنَ مريدًا من أن يطّلع على حركة من حركاته أصلا، ولا يعرف له سرًّا، ولا يقف له على نوم ولا طعام ولا شراب ولا غير ذلك. فانّ المريد إذا وقف على شيء من ذلك ربما نقصت عنده حرمة الشيخ"65
إذًا يتّضح من هذه التوجيهات أنّ الغاية من وراء ما يُضمره شيوخ النقشبنديّة بهذه الآداب، ليس إلا إلقاء الهيبة في نفوس الجمهور وتسخير قلوبهم، وليشتغل الناس بذكرهم، ولتخضع وتذلّ الرقاب لعظمتهم. وليس أدلّ على هذا، ما جاء في فصل آداب المريد مع شيخه من كلام المؤلّف نفسه إذ يقول:
"واقتصرنا على بعض المهمّات، وأعظمُها أن يُوَقِّرَ المريدُ شيخَهُ، ويعظّمه ظاهرًا وباطنًا معتقِدًا أنّه لا يحصل مقصوده إلاّ على يده. وإذا تشتّت نظره إلى شيخ آخر، حرّمه من شيخه، وانسدّ عليه الفيض. ومنها أن يكون مستسلمًا منقادًا راضيًا بتصرّفات الشيخ، يخدمه بالمال والبدن. لأنّ جوهر الإرادة والمحبّة لا يتبيّن إلا بهذا الطريق. ووزن الصدق والإخلاص لا يعلم إلا بهذا الميزان. ومنها أن لا يعترض عليه فيما فعله، ولو كان ظاهره حرامًا. ولا يقول: لم فعلت كذا؟ لأنّ من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبدًا...إلخ.66"
ثم يسجّل المؤلّف نقلًا عن بعضهم شعرًا في هذا الصدد، ومطلعه:
"وكن عنده كالميّت عند مغسل * يقلّبه ما شاء وهو مطاوع"67