فهذا رأيهم في جميع المسلمين وإن كذّبوا ذلك ودافعوا بأنّ غرضهم هو أنّ الإنسان لا محالة يحتاج إلى من يعلّمه الضروريات من الدين والدنيا حتّى يتبيّن له الحقُّ من الباطل وليميّز بين الحلال والحرام فيعمل المعروف ويجتنب المنكر. فانّ دفاعهم بمثل هذا الأسلوب لا يطابق ما يقصدونه من مفهوم البيعة. وأمّا المرشد عندهم في الحقيقة ليس هو الأستاذ الّذي يعلّمُ الفقهَ والعقيدةَ والفنونَ ويهذّبُ الأخلاقَ. بل إنّما هو -على حد قولهم-"العارف بالله والواصل إلى الله."وما أكثر وصفهم لشيوخهم بهذه الكلمات. مع أنه لم يرد في الكتاب ولا في سنّة رسوله ( ما يفيد أن العبد مأمور ومكلَّفٌ بمعرفة الله، أو يمكنه أو يجوزُ أن يعرف الله حق معرفته، أو يصل إليه وصولًا في منتهى الغاية. بل قال الله تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا} 54 إذًا فان معرفة الإنسان تنحصر في حدود رؤيته لآيات الله دون أن تتجاوز إلى ذات الله سبحانه. كما أنّ وصول الإنسان إليه محال. تعالى ربّنا عن ذلك علوًّا كبيرًا. وإنّمَا الإنسان مأمور ومكلّفٌ بعبادة الله تعالى كما قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْلإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ} 55
مع هذا البيان الواضح بشهادة آيات الله، فان عامَّةَ الصوفيّة بما فيهم النقشبنديّون، يعتقدون المعرفةَ باللهِ أمرًا جائزًا للإنسان، وأنه بإمكان العبد أن يتعرّف إلى ذات اللهِ؛ فيشترطون لذلك أمورًا يمارسه المريد بعد أن يبايع شيخًا ويأخذ منه الميثاق الّذي سموه"البيعة".