فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 538

وجدير بالإشارة أنّه لا يتأتّى ذلك إلا لمن يمتاز بالمهارة واللّباقة في إقناع النفوس ويملك زمام الآلاف فيتمكّن من إلقاء هيبته ومحبّته في قلوبهم، بحيث لا يجدون مساغًا ليتساءلوا عن حقيقة هذه المستحدثات والبدع؛ وهل لها أساس من الدين أم لا؟ إذ أنّ لِبعض شيوخ الطريقة فنونًا من الحيل يسحرون بها حتّى عقول العلماء، فضلًا عن الجهلاء؛ كما قد نجحوا في الاستيلاء على الشريف الجرجانيِّ35 بالرغم من باعه الطويل في العلوم. إلاّ أنّ هذه الصفة لا تشمل جميع شيوخ الصوفيّة. بل إنّ بعضًا آخر منهم لم يعرفوا الخدعة في حياتهم ولم يتصوّروها لحظة - ليس ذلك لِمَا فيهم من السمو الروحيِّ والأخلاقِ العاليةِ، والسلوك الرفيع، بل - لاستغراقهم فيما يسمّونه"العشقَ الإلهيَّ"وربما هي حالة من الجنون. لذلك مَنْ رآهم من الجهلة، أو من ذوي العاطفة، أعجب بهم، واغترَّ بما هم فيه من الغياب والتقشُّف، والعزلة عن الناسِ، والشعوذة، وإهمال أمور الدنيا. فظنّ المعجِبون بهم أنّهم أولياء الله وخاصّته، ووصفوهم بالعِفّة والقناعة وعزّة النفس، فبالغوا في توقيرهم وتعظيمهم، حتّى أسندوا إليهم ما لم يكن فيهم من الفضائل والبركة والكرامة. كلّ ذلك من جهل الناس بمفهوم الزهد والتقوى. أمّا في الحقيقة فليس لهما صلة بالعزلة من الناس، وإهمال أمور الدنيا، وحالاتِ الجنون الّتي يصفها العامة بالاستغراق والعشق الإلهيِّ. خاصّة فان أكثر شيوخ الطريقة النقشبنديّة يتّصفون بالطبيعة الجامدة، والصمت الطويل، والمسكنة والطأطأة. تلك عادتهم تسري فيهم عبر الأجيال خلفًا عن سلف. لأنّ من أراد منهم أن يختار له خليفةً من بين خاصّته آثر منهم المتميّز بالصفات المذكورة. أمّا من كان على نقيض تلك الصفات فلا حظّ له من هذه الفرصة غالبًا. وهذا ما قد أفضى إلى اغترار كثير من جهلة الناس بالمظاهر التقليدية للشيوخ النقشبنديّة. فهابوهم حتّى الْتَبَسَتْ عليهم تلك الصورة الجامدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت