نقل عبد المجيد بن محمّد بن محمّد الخانيّ32 بطريق الرواية عمن تُنسب إليه الطريقة النقشبنديّة وهو محمّد بهاء الدين البُخَاريّ33. نَقل أنه قال:"نمتُ ليلةً فرأيتَ الحكيمَ آتا قدس سره. وكان من أكابر مشائخ التُّرْكِ وهو يوصي بي درويشًا. فلمّا انتبهتُ بَقِيَتْ صورة الدرويش في مخيِّلَتي. وكانت لي جدةٌ صالحةٌ فقصصتُ عليها هذه الرؤيا، فقالت: سيكون لك يا ولدي من مشائخ التُّرْكِ نصيبٌ"34
إن هذه الكلمات، تُعَبِّرُ عن حقيقةِ ما قد تبنَّتْ هذه الطريقة التركية عَبْرَ تاريخها بصورة ملخّصة، وقد تحقق ذلك. وهو أن المجتمعَ التركيّ قد حدّدَ وجهةَ نظرهِ في الإسلام منذ القديم بتفسيره الباطني المتمثّل في تعاليم هذا المذهب الصوفيّ على وجه الخصوص وبموقفه العصبيِّ.
* التغيُّرات الّتي طرأت على هذه الطريقة.
إنّه يُستَبْعَدُ أن تكون الطريقة النقشبنديّة قد اشتهرت بهذا الاسم في حياة محمّد بهاء الدين البُخَاريّ الّذي تُنْسَبُ إليه الطريقةُ. لأنّ الطرقَ الصوفيّةَ إنما تُدعى بأسماء مؤسِّسيها بعد موتهم عادةً. وهذا يُعتَبَرُ من جملة الإشارات الّتي تُنبئ عن تغيُّراتٍ عديدةٍ طرأت على الطريقة النقشبنديّة، وتدلّ في الوقت ذاته على أنّ الطرقَ الصوفيّةَ عامّةً والنقشبنديّةَ خاصّةً، لا تقوم آدابُها وأركانُها وطقوسُها على نصوصٍ من الكتاب والسنّة. بل إن كانت لها أصولٌ ومبادئ، فإنها في الحقيقة ليست إلا من صنع الروحانيّين الّذين استطاعوا أن يفرضوها على أتباعهم بحكم شهرتهم. ثم اقتنع بها المريدون والمفتتنون ممن حولهم فاتّخذوها مناسكَ لهم، وعملوا بها حتّى ظنّ معشرٌ من رعاع الناس أنها فرائض أو سنن من صميم الدين.
ثم لم يلبث أن تولّى رئاسةَ الطريقة رجالٌ روحانيّون آخرون، زادوا على ما اختلقهُ السابقونَ من الآداب والشروط. فزادوا عليها تارة، وحذفوا منها تارة إذا زيّنتْ لهم أنفسهم ذلك. وهكذا جرت عادتهم من القديم إلى اليوم.