فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 538

أما العقبة الثانية: الّتي يعانيها الأتراك هو مفهوم الدين. ومع أن الإسلام دين عالميٌّ لا يجوز أن يستغلّه شخص أو قوم لِيُتَاجِرُوا به أو ليطبِّعوه في أشكال خاصّة، كما لم يفكّر به العرب، -ولم يتمكّنوا من ذلك لو أرادوا أن يحصروه في نطاق قوميتهم- إلا أنهم كانوا ولا يزالون أكثرَ فهمًا لمعاني القرآن، ولا غرو أنّه نزل بلغتهم. أمّا الأتراك وتُبَّاعهم من أقلياتٍ عجميةٍ فإنّهم لا يفهمونه إلا عن طريق الترجمة الكتابية أو بالاستماع إلى علمائهم.

ولا شكّ أن لهاتين العقبتين تأثيرًا عظيمًا على أحاسيسهم وإن لم يجهر به عامّتهم. ولا يُستَبْعد أن يكون في باطنهم ما قد يثيرهم بدافع هذين الأمرين حتّى يتخلّصوا من تأثير العرب بلغةٍ قويةٍ ودينٍ مستقلٍ دونما ارتدادٍ عن الإسلام، ولكنْ مختلفٍ عن إسلام العرب! لا شكّ أيضًا أنّ الأتراك ( ونعني بهم بقايا العثمانيّين من أصحاب السيادة في تركيا اليوم) قد عملوا الكثيرَ لتحرير لغتهم من قيود العربية والفارسيّة، ولكن لم يتمكّنوا من ذلك. كمالم يتمكّنوا من توفير أسباب الاستقرار لها. فانّ ظهور الطرُقِ الصوفيّة هي في الواقع من نتائج هذه المُنْطَلَقَاتِ العصبية والعرقية، وانعكاسٌ لأغراضٍ قوميةٍ وعنصريةٍ. خاصّة الطريقة النقشبنديّة، فإنّ في ثنايا آدابها ومعاملة أتباعها وانتمائهم أماراتٍ ومعالمَ تُنْبئ عن حقيقة منْطَلَقَاتِ هذه الطائفة وأغراضها العصبيّة القومية في صور غير خافية على أهل البصيرة. ولربما هي من أقدم أسبابها؛ وفي ذلك شواهدُ عديدةٌ، حسبنا الاستدلال بواحد منها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت