فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 538

أنتحل صوفية العراق مذهبَ هؤلاء الصالحين بعدهم في القرن الثاني من الهجرة. وصوفيةُ العراقِ جلّهم من أصولٍ مجوسيّةٍ من العنصر الفارسيِّ، لا صلةَ لهم في حقيقة الأمر بالزاهدين المذكورين سابقًا، وإنّما انتحلوا أسلوبهم في الإعراض عن الدنيا بظاهرهم وهم يتَبَنَّونَ أغراضًا خطيرةً في باطنهم. دفعتهم النزعة الشعوبية إلى هدم الدين الحنيف بدسّ سموم الشرك في العقيدة الإسلامية، ولكن بأسلوبٍ أكثر خبثًا ومكرًا ودهاءً وهو الأسلوب الصوفيّ بخلاف ما كان عليه الزنادقة من الشعراء والأدباء ذوي الأصول الفارسيّة بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتشكيكهم، عن طريق تصوراتٍ فلسفيةٍ ظاهرة المعالم. كعبد الله ابن المقفّع26؛ وأبي عبيدة معمّر بن المثنّى27؛وأبّان بن عبد الحميد بن لاحق بن عفير الرقّاشي28؛ وأبي نوّاس الحسن بن هناء بن عبد الأوّل بن صباح29؛ وأبي العاتية إسماعيل بن قاسم بن سويد بن كيسان30. كان هولاء الشعوبيون مجاهرين بأفكارهم وتصوراتهم بخلاف الصوفيّة. أمَّا الصوفيّةُ، فإنَّ السرِّيَّةَ الّتي كانت أعمالُهم تتوارى بقناعِها، تجعلُهم في أمانٍ من أيِّ شكٍّ قد يثور حولَهم؛ بل غالب الناس كانوا يعظّمونهم ويعدّونهم من أصحاب الفضائل والكرامات لما يرون من إعرضهم عن زينة الحياة الدنيا وطيّباتها. لأنَّ كراهيةَ نِعَمِ اللهِ كانت هي القسطاس الّذي يُقَيِّمُ الناسُ به مستوى الفضيلة والسموّ الروحيِّ والأخلاقيّ يومئذ.ِ.

هكذا استطاع صوفية العراق منذ بداية ظهورهم أن ينجحوا في تشويه الوجه المشرق للإسلام بهذا الأسلوب الدسّاس، على حين غفلة من المسلمين الّذين هجمت عليهم الفتن يومئذ من كل حدب وصوب وهم في وسطٍ من الفوضى من أمرهم. فاستمرّت حياكة الدجل والكذب على لسان السابقين من أهل الزهد وهم برآء من الصوفيّة وضلالاتهم، حتّى أسلم الأتراك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت