الفتنة الأولى والكبرى في تاريخ المسلمين لاشكّ هي مقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفّان رضي الله عنه. ثم تليها الحروب الّتي جرت بين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وبين ومعاوية بن أبي سفيان؛ ثم اغتيال عليّ بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين.
دخل الشقاق بدواعي هذه الفتن صفوفَ المسلمين وهم من الطبقة الأولى من أمّة الإسلام. بيد أنّهم لم يختلفوا يومئذ إلا في المسائل السياسية والاجتهادية بالاستناد إلى الكتاب والسنّة، تجمعهم العقيدة الحنيفة إذ ذاك، مهما تفرّقت كلمتهم؛ فانقسموا إلى فِرَقٍ ثلاثٍ: الشيعة، والخوارج، والزهّاد الّذين تورّعوا وصبروا، واستأنسوا بِرَوْحِ الله وعكفوا على العبادة هربًا ممّا وقع فيه غيرهم من الطمع والافتتان بحطام هذه الدنيا وملذّاتها ومناصبها؛ كما يُقِرّ ويعترف بهذه الحقيقة أحد أعلام الصوفيّة في عصرنا السيد محمود أبو الفيض المنوفي إذ يقول:"وأمّا سبب شيوع التصوف في الإسلامية، فهو أنه لمّا حصل الخلاف على الخلافة والنزاع بين عليٍّ ومعاويةَ، ثم الخلاف بين بني أُمَيَّةَ وبين العباسيّين؛ قد صارت الخلافة ملكًا عضوضًا وسلطانًا يتنافس عليه أهل النفوس الضعيفة المحبّة للدّنيا ومتاعها الزائل، ترفّعَ البقيّة المخلصة الباقية من الصحابة والتابعين عن إيثار ما يفنى على ما يبقى، ورجعوا إلى أنفسهم عاكفين على مدارسة الكتاب الكريم."18