ولقد كان المسلمون الأوائل أشدّاء على الكفّار والمشركين ومن كان على نهجهم من المستحدثين في الدين والمتلاعبين بنصوصه من خلال تأويلات ماكرة. ولا يُستَبْعَدُ أن يكون أهل الحلّ والعقد منهم قد أحبطوا أيّة بدعة قد ظهرت في أيامهم بسرعة وعنف. فهكذا كانوا حتّى في العهد الأمويّ، وكذلك في المرحلة الأُولى من العهد العباسيّ. إذ يبرهن على ذلك موقف الخليفة المقتدر من حسين بن منصور الحلاّج لمّا علم أنه زنديق يتربّص بالإسلام ليعبث به ثأرًا لدين آبائه المجوس الّذين قضى عليهم المسلمون، فأمر به فقُتِلَ.10
وما أن اتّسعت أرض الإسلام، ودانت به فئاتٌ غيرُ ذاتِ رشدٍ وذوقٍ سليمٍ من أهالي المناطق النائية عن مراكز الحكم والعلم والحضارة الإسلامية وخاصةً بعد فتح خراسان وبلاد ماوراء النهر؛ سرعان ما بدأ الانحراف عن الخط الإسلاميّ المستقيم، وصار يدبّ هذا الانحراف وينتشر بين الناس كلّما وجدوا هرطقةً تُذَكّرُهم بماضيهم نزعت إليها نفوسهم ظنًا منهم أنّها من صميم الإسلام. وربما لم تكن الدولة يومئذ تتمتّع بالقدرة والهيمنة الكافية لكبح جماح المبتدعين والمستحدثين بسبب بُعْدِ المسافة بين مراكز الحكم وبين تلك المناطق المترامية القاصية؛ أوربما لم يكن لأصحاب السلطةِ اهتمامٌ بسلامةِ الدينِ، وقصرِ تعاليمِهِ على الكتابِ الكريمِ، والسنّةِ المُطهَّرَةِ كما فهمها سلفنا الصالحُ رضوان الله عنهم.