فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 538

ثم حرّفوا مفهوم لفظة الوليّ في القرآن بتفسير لم يرد عن السلف الصالح. إذ أنّ الوليَّ ليس هو الّذي يتصرّف في قدر الله، وينوب عنه في إدارة الكون، ويعلم الغيب، وينزّل الغيث، ويمنع الآفات، أو يسلّط العذاب على من يشاء كما يزعمون. وإنّما أولياء الله، هم الّذين قال تعالى فيهم: {أَلاَ إنَّ أَوْلِياَءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الّذينَ آمَنُوا وَكاَنُوا يَتّقُونَ. } 9 ولكنّهم حرّفوا المعنى بتأويلاتهم وتفسيراتهم الّتي بنوها على معتقَداتهم الموروثة من العهد الوثنيِّ. وهكذا نشأت معظم الطرق الصوفيّة على يد الأتراك كنتيجةٍ للأسباب الّتي ما زلنا نواصل شرحها. ومن أهمّها، تلك الخلفيات التاريخية الّتي تراكمت في عقلية هؤلاء القوم، وانحدرتْ عَبْرَ أطواره حتّى طغتْ على المفاهيم القرآنية بتفسيراتٍ باطنيةٍ متطرّفةٍ، فشوّهت محيّاها، وأذهبت الكثيرَ من جمالها وطلاقتها و واقعيتها.

* السبب الثالث في ظهور الطريفة النقشبنديّة: هو بُعْدُ المسافة بين مراكز الحكم والعلم وبين المنطقة الّتي نشأت وانتشرت فيها الطريقة.

لمّا انتزع الإسلامُ جذورَ الشرك وأزاحه عن مهبط الوحي والإلهام، وبدأتْ أنوارُ التوحيد تُشرق من الحرمين على أطراف الجزيرة العربية، فنبعتْ مناهلُ الحكمة وتدفّقتْ من صدور أئمة السلف وانصبّتْ على صفحات الكتب بمداد العلماء من التابعين؛ فلم يلبث أن سادت دولة العلم في بلاد اليمن والعراق والشام ومصر في مدّة أقلّ من خمسين سنة بعد الهجرة النبوية. وفي أثر ذلك أصبحت كلّ منطقة من هذه البلاد مركزًا للعلوم والفنون الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت