فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 538

أما تاريخ المنطقة، فيشوبه غموض حتّى ميلاد عيسى عليه السلام، لأنّ أيّامَ الأتراك قبل الإسلام قد خلتْ من الحركات العلميةِ والثقافية والحضارية. وبذا كانت المصادر شحيحةً بين أيدي الباحثين ولم تمدّهم بما كان عليه الأتراك في تلك القرون الخالية. ولم يؤرّخ لهم قوم بالقدر الّذي كتب عنهم علماء العرب المسلمين كأحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري4 وأبي جعفر محمّد بن جرير الطبري5وابن الأثير عزّ الدين أبي الحسن على بن أبي الكرم الشيباني6 وأبي الفداء اسماعيل بن عمر القرشي المعروف بابن كثير7 وغيرهم. ولعلّ العالِمَ الروسيَّ فريديريك وِلْهَلْمْ رَادْلُوفْ8 قد أولى الحياةَ الدينيةَ عند الأتراك في جاهليتهم بحديث واسع أكثر من أيّ باحث آخر.

فقد ثبت من خلال ما عثر عليه الباحثون وما شرحه علماء التاريخ أنّ الأتراك قد اعتنقوا دينا بعد دين عَبْرَ تاريخهم. وكلّما وجدوا مساغًا ليبدّلوا دينهم نزحوا من ساحته - وهم يحملون جلّ آثاره - وركنوا إلى دين آخر فخلطوا بينهما، فتقلّبوا هكذا في أمواج الديانات والمعتقَدات بصرف النظر عما بينها من التناقض والتضارب حتّى وجدوا أنفسهم في رحاب الإسلام بدءًا من النصف الثاني للقرن الأوّل من الهجرة النبوية. فلم يكن تعاملهم مع الإسلام مختلفا عن تعاملهم مع دياناتهم السابقة. فحملوا جمًّا من معتقَداتهم الوثنية، وتقاليدهم الموروثة من عهد الجاهلية الأولى، كما سوف نشرحه إن شاء الله تعالى عَبْرَ الفصول التالية.

لقد كان الأتراك يقدّسون موتاهم في القرون الأولى من جاهليتهم، ويعبدونهم. نشأ هذا الاعتقاد وهم على دينٍ اسمه الشامانية، خاصّة فانّهم كانوا يقدّسون الشامانَ. والشامانُ عندهم كالعزيز أو القِدِّيسِ عند النصارى فكانوا يعتقدون أن الشامان يعلم الغيب ويتصرف في أحوال الجوّ؛ فَيُنَزِّلُ الْغيثَ، ويُرْسِلُ الرياحَ متى شاء، ويمنع الآفات، أو يسلّط المصائبَ والأهوالَ على من يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت