أما الأتراك، فيبدو أنهم في غمرة تلك الضجة الّتي ثارت في صفوف مجتمعهم على أثر الدعوة الموجّهة إليهم لم يفطَنوا إلى حقيقة ما يهتف به الإسلام من التوحيد الخالص لله رب العالمين. فظنّوا أنّه دينٌ كسائر الأديان، وإن كان يمتاز ببعض تعاليمه الخاصّة الّتي أعجبتهم واتفقت مع طبيعتهم. كالطهارة وصلاة الجماعة، لأنّ الأتراك أشدّ الناس اهتمامًا بالنظافة وأفضلهم نظامًا في الحياة الاجتماعية، فتأثّروا بضوابط الإسلام وقوانينه وتشريعاته، قبل أن يتأثّروا بعقائده ووُجْدانياته. ولهذا، لم يهتمّوا بمسائل التوحيد في الخطوة الأولى من إسلامهم، وإنما الْتَهَوْا بما شرعه الإسلام من صلاة الجمعة والجماعة والطهارة وطاعة أولي الأمر، وآداب المعاشرة وما أشبه ذلك من أمور العبادة، وما يختصّ بتنظيم الحياة الاجتماعية والعلاقات البشرية.
وبهذا، يتبين لنا أنّه لمّا غفل المسلمون الأوّلون من الأتراك عن حقيقة توحيد الله تبارك وتعالى (وهو لُبُّ الإسلام ومفتاح الخلاص ووسيلة النجاة والسعادة في الدارين) . وبذلوا اهتمامهم فيما يظهر من الدين ويتّفق مع طبيعتهم، وَجَدُوا صلةً بين هذه الأمور وبين ما كانوا عليه في سابق أمرهم؛ لأنّهم كانوا على دينٍ اسمه"الشامانية"فكانوا يعتقدون في رهبانهم أنّهم ينفعون ويضرّون من دون الله، ويشفعون لهم عند الأرواح الإلهية المهيمنة ويتصرّفون عنها في الكون. وكذلك كانوا يتأمّلون ويتفكّرون في حكمة الله على أساليب الديانة البوذية والبرهمية.