لابدّ وقد أثار الإسلامُ يومئذٍ هيجانًا في نفوسهم، ودبّتْ في جميع مجالات حياتهم حركةٌ انسحبوا معها إلى منعطفات خرجوا بذلك عن الخطّ الإسلاميِّ المستقيم دون أن يشعروا بخطورة الأمر؛ لأنّهم كانوا يومئذ في بداية الطريق، ينظرون إلى هذا الدين الجديد كعادتهم في النظر إلى دينهم القديم بفروق بسيطة. ثم إنّ ذلك التدفّق الكلّي والاندفاع الجماعيّ إلى هدي الإسلام، لم يترك لهم فرصةً في الوهلة الأولى ليتدبّروا حقيقة الدين الحنيف إلا قلة منهم. فيبدو أنّهم قد اعتنقوا الإسلام على همجيةٍ وسطحيةٍ من العقلية المتخلفة والجهل المتفشّي بين جمهورهم وهذا أفضى إلى التشبث بما كانوا عليه في سابقهم من رواسب الشرك ومخلّفات الوثنية وتقاليد الكفرة من آبائهم الأولين.
لمّا نُقارن بين السابقين الأوّلين من الأتراك ومشركي قريش في موقفهم من الدعوة الإسلامية الأولى نجد بُعدًا كبيرا بين الفريقين في ذلك. فإنّ الأتراك أقبلوا على الإسلام كالسيل العارم منذ أوّل تبشير تلقّوه من دعاةٍ لا شهرة لهم في سجلّ التاريخ. بينما الكتب حافلة بما ابتلى به رسول الله ( من المحنة والأذى على يد قومه الّذين وقفوا في وجه الإسلام وقوف العدوّ اللّدود. واستعملوا العنف والشدة ضد أصحابه، وأذاقوهم ألوانا من التعذيب والنكال. ولكنّ أكثرهم في نهاية المطاف أسلموا لله وأقاموا حدوده واتخذوا دينه نظامًا لحياتهم؛ وضربوا من البسالة والبطولة والفداء في سبيله أمثالًا لم يدانيهم فيها قوم لا قبلهم ولا بعدهم.
ولهذا، تشرّبت العربُ الإسلامَ عن حقيقته ولم يتغيّر تفسيرهم للّدين حتّى يومنا هذا، على الرغم من ضلالة حكامهم وسفه زعمائهم فيما اقتبسوه من الأمم الكافرة لشعوبهم من سياسات ضالّةٍ وأنظمةٍ فاسدةٍ.