لقد ثبت بالدلائل القاطعة أنّ الغالبية العظمى من الأوّلين الّذين أسلموا من هؤلاء القوم لم يدخلوا سَاحَتَهُ عن روّيةٍ، ولم يتلمّسوه بتدبّرٍ، ولم يتلقّوا تعاليمه بتعقّلٍ وإمعانٍ. وإنّما أقبلوا عليه إقبالَ القطيع الظمآن على الماء العذب الفرات وقد أضناه العطش، فما كاد يرتوي من زلاله حتّى صدّه الراعي فسقاه ملحًا أجاجًا؛ وهذا يعني أنّ قبائل الأتراك على كثرة عددها أقبلت على الإسلام في أوّل أمرها، فجاء إسلامهم تقليدًا أعمى لمن كان يرأسهم ويتزعّمهم. فما زال كثيرٌ منهم يتقلّب بين ما ورثه من معتقداتٍ شامانيةٍ ونزعاتٍ برهميةٍ وتقاليدَ مانويةٍ ومزدكيةٍ. ذلك لأنّ الأتراك يمتازون بشدة الانقياد إلى ملوكهم وزعمائهم في كلّ دهر، سواء أكانوا على الحق أم على الباطل. فلم تتغيّر هذه الخصلةُ فيهم إلى يومنا هذا. مما يدلّ على ذلك تمسّكهم بزعيمهم الّذي شارك في القضاء علي الدولة العثمانيّة ذاتِ الطابع الإسلاميّ. فأراد أن يخلع رِبْقَةَ الإسلام من أعناقهم، فلم يزدهم ذلك إلا محبةً فيه على الرغم من اعتزازهم بالإسلام؛ مع علمهم بأنّه ينحدر من سلالة خزرية تشرّبت العقيدةَ اليهوديةَ منذ قرون. ولكن ما دام أنّه تركيّ الأصل فباتت صلتهم به قويّة حتّى اتّخذوه إلهًا كما قد اتّخذوا شيوخَهم آلهة من دون الله.
نعم إن الأتراك استقبلوا الإسلام في أوّل أمرهم طيّيةً به نفوسهم؛ فلمّا أسلم ملكهم صتُوك بُوغْراخان (ت. 348 هـ.) 2 ملك الدولة القَرَاخانية التركية، وتَسَمىَّ بعبد الكريم. دخلوا معه في دين الله أفواجًا، وأسلموا عن بكرة أبيهم.
هذا، وقد أسلمت جماعات غفيرة من مختلف الأجناس البشريّة عَبْرَ التاريخ، إلاّ أنّه لم تسبقهم أمة بتمامها في الدخول إلى حظيرة الإسلام، ولم تظفر بهذا الفضل والشرف العظيم غير الأتراك الّذين اعتنقوا الإسلام في أوّل أمرهم،