إذا كان الملتزم به تمليكًا للعين أو للدّين، فإنّه يثبت للمالك حقّ التّصرّف فيه بكلّ أنواع التّصرّف من بيعٍ وهبةٍ ووصيّةٍ وعتقٍ وأكلٍ ونحو ذلك، لأنّه أصبح ملكه، فله ولاية التّصرّف فيه.
وهذا إذا كان بعد القبض بلا خلافٍ، أمّا قبل القبض فإنّ الفقهاء يختلفون فيما يجوز التّصرّف فيه قبل القبض وما لا يجوز.
أمّا ما يثبت فيه الملك من غير عوضٍ، كالوصيّة والهبة والصّدقة، فإنّه يجوز في الجملة التّصرّف فيه قبل قبضه عند الجمهور [1] .
وإذا كان الملتزم به تمليكًا للمنفعة، فإنّه يثبت لمالك المنفعة حقّ التّصرّف في الحدود المأذون فيها، وتمليك المنفعة لغيره كما في الإجارة والوصيّة بالمنفعة والإعارة وهذا عند المالكيّة وفي الإجارة عند جميع المذاهب، وفي غيرها اختلافهم، والقاعدة عند الحنفيّة: أنّ المنافع الّتي تملك ببدلٍ يجوز تمليكها ببدلٍ كالإجارة، والّتي تملك بغير عوضٍ لا يجوز تمليكها بعوضٍ. فالمستعير يملك الإعارة ولا يملك الإجارة.
منع حقّ التّصرّف: قد ينشأ من بعض الالتزامات منع حقّ التّصرّف ومن أمثلة ذلك: الرّهن، فلا يصحّ تصرّف الرّاهن في المرهون ببيعٍ أو غيره، لأنّ المرتهن أخذ العين بحقّه في الرّهن، وهو التّوثّق باستيفاء دينه وقبض المرهون. فالمرتهن بالنّسبة إلى الرّهن كغرماء المفلس المحجور عليه [2] .
صيانة الأنفس والأموال: الأصل أنّ المسلم ملتزم بحكم إسلامه بالمحافظة على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم لقول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يوم النّحر: ( .. فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا .. ) [3] .
أمّا بالنّسبة لغير المسلمين، فإنّ ممّا يصون دماءهم وأموالهم التزام المسلمين بذلك بسبب العقود
الّتي تتمّ معهم، كعقد الأمان المؤقّت أو الدّائم. إذ ثمرة الأمان حرمة قتلهم واسترقاقهم وأخذ
(1) ابن عابدين (4/ 162، 165) ، البدائع (5/ 234) ، الهداية (3/ 56، 224) ، حاشية الدسوقي (3/ 151) ، بداية المجتهد (2/ 144) مغني المحتاج (2/ 68، 69) ، المهذب (1/ 269) ، المغني (4/ 126) ، منتهى الإرادات (2/ 176) ، القواعد لابن رجب من 78إلى 83.
(2) القواعد لابن رجب ص 87، المنثور (3/ 238) .
(3) أخرجه البخاري ـ كتاب الحج ـ باب الخطبة أيام منى (1623) ، مسلم ـ كتاب الحج ـ باب حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - (2137) .