الصفحة 13 من 405

إذا قال له: إن بعتني سلعتك بكذا فقد التزمت لك كذا وكذا، فالشّيء الملتزم به داخل في جملة الثّمن، فيشترط فيه ما يشترط في الثّمن.

إذا قال له: إن أسكنتني دارك سنةً، فهذا من باب الإجارة، فيشترط فيه شروط الإجارة، بأن تكون المدّة معلومةً والمنفعة معلومةً، وأن يكون الشّيء الملتزم به ممّا يصحّ أن يكون أجرةً.

لذلك فيمكن القول بأنّ الأسباب الحقيقيّة للالتزامات:

الأول: تصرّفات الإنسان الاختياريّة.

إلاّ أنّ المشتغلين بالفقه في العصر الحديث زادوا على ذلك ثلاثة مصادر أخرى ليست في الحقيقة التزامًا، بل هي إلزام أو لزوم، ولكن يترتّب عليها مثل ما يترتّب بالالتزام باعتبار التّسبّب أو المباشرة. وبيانها كما يلي:

الفعل الضّارّ أو الفعل غير المشروع:

الفعل الضّارّ: الّذي يصيب الجسم أو المال يستوجب العقوبة أو الضّمان، كالجناية على النّفس أو الأطراف، أو التّعدّي بالغصب، أو بالسّرقة، أو بالتّجاوز في الاستعمال المأذون فيه.

والضّابط في ذلك ما قال الزّركشيّ: أنّ التّعدّي مضمون أبدًا إلاّ ما قام دليله، وفعل المباح ساقط أبدًا إلاّ ما قام دليله. والأصل في منع الضّرر قول النّبيّ - صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) [1] .

الفعل النّافع أو الإثراء بلا سببٍ: قد يقوم الإنسان بفعلٍ نافعٍ لغيره، فيصير دائنا لذلك الغير بما قام به أو بما أدّى عنه.

وهذا ما يسمّيه المشتغلون بالفقه في العصر الحديث (الإثراء بلا سببٍ) وهم يعنون بذلك: أنّ من

أدّى عن غيره دينًا أو أحدث له منفعةً فقد افتقر المؤدّي وأثرى المؤدّى عنه بلا سببٍ، وبذلك

يصبح المثرِي ملزمًا بأداء أو ضمان ما أدّاه عنه غيره أو قام به [2] .

(1) انظر في ذلك: أشباه ابن نجيم 289، 290، والمنثور في القواعد (2/ 60، 322ـ332) ، التبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي (2/ 346ـ 358) ، الفروق للقرافي (1/ 195، 196) ، القواعد لابن رجب من 204ـ207، و285ـ 291. وحديث: (لا ضرر ولا ضرار .. ) أخرجه مالك من حديث يحيى المازني مرسلًا، ووصله ابن ماجة عن عبادة بن الصامت, وفي إسناده انقطاع. والحديث حسنه النووي، وقال: له طرق يقوي بعضها بعضا، وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به. (الموطأ 2/ 745) ط عيسى الحلبي، سنن ابن ماجة (2/ 784) ط عيسى الحلبي، فيض القدير (6/ 431، 432) ط المكتبة التجارية.

(2) انظر في ذلك: البزازية (6/ 65، 66) ، منح الجليل (3/ 98) ، فتح العلي المالك (2/ 275، 288) ، منتهى الإرادات (2/ 243) ، القواعد لابن رجب، ص137 وما بعدها، مرشد الحيران، المواد 202، 765، مجمع الضمانات 458، 459.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت