وهكذا نجد أنه كلما كان الخبر يتضمن خطورة وضررًا كان التثبت في ناقليه أكثر تشددًا وتصلبًا من حيث زيادة الشروط وتوفر مواصفات أخرى تتناسب ، وأهمية الخبر.
ولخطورة الشهادة في العواقب المترتبة عليها فإنها لا تجوز إلا بما تحقق فيه العلم لقوله تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86] ، { ولا تقف ما ليس لك به علم } [الإسراء: 36] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (على مثلها فاشهد أو دع) يعني الشمس ، أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ، ويدرك العلم في الشهادة باثنين: الرؤية، والسماع .
إذ أن من الخبر ما يحصل بالرؤية، ومنه ما يحصل بالرؤية والسماع، ومنه ما يحصل بالسماع. أما ما يقع بالرؤية فالأفعال: كالغضب، والإملاق، والزنا، ونحو ذلك، وأما ما يقع بالسماع والمشاهدة والرؤية فكالشهادة على العقود مثل: البيع، والرهن، والصلح ، والإجارة والنكاح وغيرها .
والثاني ما يعلم بالاستفاضة: وهو ما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه كالشهادة على النسب ، والولادة ، والموت ، والملك المطلق ، ونحو ذلك على تفصيل ذكره الفقهاء (1) . وقد أضاف الفقهاء شرطًا خاصًا بخبر الشهادة وقبولها ، وهو انتفاء الموانع مثل القرابة، ووجود المصلحة للشاهد ، أو دفع الضرر وغير ذلك كشهادة السيد لعبده ، والوالد لولده، والزوج لامرأته، وغير ذلك (2) . لحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تقبل شهادة خصم ، ولا ظنين ، ولا ذي غمر على أخيه) (3) .
(1) - ابن قدامة ، المغني: 9/158 - 161 . والعمراني البيان: 13/350 .
(2) - ابن قدامة ، المغني: 9/193 .
(3) - العمراني ، البيان: 13/307 .