وقد أدى إلى نشأة هذا العلم حرص العلماء على الوقوف على أقوال الرواة حتى يميزوا بين الصحيح من غيره ، فكانوا يختبرون بأنفسهم من يعاصرونهم من الرواة، ويسألون عن السابقين ممن لم يعاصروهم ، ويعلنون رأيهم فيهم دون تحرج وتأتم ، إذ كان ذلك ذبًا عن دين الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل للبخاري:"إن بعض الناس ينقمون عليك التأريخ يقولون: فيه اغتياب الناس . فقال: إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا . وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بئس أخو العشيرة) (1) ". وهكذا نجد أن الإمام البخاري رحمه الله استدل لأصل هذا العلم من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وروى مسلم بسنده إلى محمد بن سيرين أنه قال: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) . وعنه أيضًا قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم ، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم(2) .
بل بالتأمل في القرآن نجد أن دليل إقامة هذا العلم هو في القرآن الكريم كما نجده في السنة ، فآيات كثيرة وردت في الثناء على الصحابة إجمالًا، وآيات أخرى فيها ذم للمنافقين إجمالًا، كما وردت آيات في الثناء على أفراد معينين وعلى جرح أفراد آخرين (3) . كما وردت آيات تنص على وجوب التثبت والتمييز بين العدل والناس في قبول الأخبار وردها من ذلك كما تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مثل ما جاء في القرآن من الثناء والذم والتعزير إلى غير ذلك .
وهذه طائفة من الأدلة القرآنية التي توضح ذلك وتجليه:
(1) - السنة ومكانتها في التشريع: 110 .
(2) - صحيح مسلم: 1/14-15 المقدمة مرجع سابق .
(3) - المعلمي ، بحوث حديثية في علم الرجال وأهميته: 18 مرجع سابق .