وإن أعظم مبدأ اهتم به المسلمون في هذا الصدد مبدأ الجرح والتعديل ، والجرح وصف متى التحق بناقل الخبر رواية أو شهادة أو نحو ذلك سقط الاعتبار بقوله ، وبطل العمل به . والتعديل وصف متى التحق بناقل الخبر اعتبر قوله وأخذ به (1) . وإنه لمبدأ عظيم حقق ثمارًا وفوائد عظيمة ، عاد نفعها وخيرها على كل المسلمين ، بل على كل بني الإنسان . وسيبقى ذلك ماثلًا لهم ما داموا به مستمسكين .
هذا المبدأ الذي دل على كلياته القرآن ، وفصل جزئياته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وطبقه واقعًا في الحياة الصحابة ، والتابعون لهم بإحسان ، فما أحق المسلمين في كل زمان إلى التزامه ، واعتماده أساسًا في تعاملاتهم ، ومعاملاتهم في كثير من الشئون الحياتية .
ولقد أصبح هذا المبدأ علمًا أطلق عليه علم الجرح والتعديل ، أو علم ميزان الرجال، وهو عند علماء الإسلام علم يبحث فيه عن أحوال الرواة للأخبار، وأمانتهم ، وثقتهم، وعدالتهم ، وضبطهم ، أو عكس ذلك من كذب ، أو غفلة ، أو نسيان . وهذا العلم يحقق شطرًا مما ألمحنا إليه في باب توثيق الرجال بما يخص نقل الأخبار ، وتلقيها.
يقول الدكتور مصطفى السباعي عنه: (فهو علم جليل من أجل العلوم التي نشأت عن تلك الحركة المباركة - يعني حركة علم الحديث - لا نعرف لها مثيلًا في تأريخ الأمم الأخرى) (2) .
(1) - ابن الأثير جامع الأصول: 1/126 مرجع سابق .
(2) - السنة ومكانتها في التشريع: 106 .