والعدالة شيء زائد على مجرد التظاهر بالدين والورع ، لا يعرف إلا بتتبع الأفعال ، واختيار التصرفات لتكوين صورة صادقة عن المخبر، والبحث عن عدالة الشاهد بتناول طرق من الاستقصاء الدقيق الذي لا يجرح كرامة أحد ، بل يزكي الخبر المروي من خلال تزكية المخبر الراوي ، (شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة ، فقال: لست أعرفك ، فأت بمن يعرفك . فقال رجل من القوم: أنا أعرفه . قال: فبأي شيء تعرفه . قال: بالأمانة والعدل . قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ، ومدخله ومخرجه . قال: لا . قال: تعامله بالدينار والدرهم الذي بهما يستدل على الورع . قال: لا . قال: برفقتك له في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق: قال: لا . قال: لست تعرفه . ثم قال للرجل: ائت بمن يعرفك) . (1)
ومناهج المحدثين في الجرح أشد منها في التعديل ، فهم يقبلون التعديل من غير ذكر سببه على الصحيح المشهور أما الجرح فيردونه إذا لم يبين سببه بيانًا شافيًا.
وتشدد علماء الحديث في تقويم الرجال إنما كائن في أخبار الحلال والحرام ، والسنن، والأحكام ، أما في فضائل الأعمال ، والمواعظ ،والقصص فيتساهلون ، لأنه لا ينبني على ذلك ضرر لا في الدين أو الدنيا ، بقول الإمام أحمد ابن حنبل: (إذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام ، والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عنه في فضائل الأعمال ومالا يضع حكمًا ، ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد، ولولا الأسانيد لقال من شاء ما شاء) (2) ، وما سبق بيانه شاهد على ذلك .
(1) - الخطيب البغدادي: الكفاية: 84 . البيهقي السنن الكبرى: 10/125 القضاء .
(2) - ابن الأثير جامع الأصول: 1/109 مرجع سابق .