ونقل عن مالك وأحمد (رحمهما الله) : أن قسمتها متعينة، ولا يجوز وقفها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك وفعله أولى من فعل غيره ولقوله تعالى: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) ) [1] ، يفهم منها أن أربعة أخماسها للغانمين [2] .
والقول الأول أرجح وأولى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل الأمرين جميعًا في خيبر، ولأن عمر قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خيبر، فقد وقفها مع علمه بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- دال على أن فعله لذلك لم يكن متعينًا، كيف والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد وقف نصف خيبر، ولو كانت للغانمين لم يكن له وقفها.
وإذا ثبت هذا فإنه وإن وقفها فعليها الخراج يضرب عليها أجرة لها في كل عام على من هي في يده وليس للإمام أن يفعل شيئًا من ذلك إلا إذا رآه مصلحة للمسلمين.
النوع الثاني: سائر الأموال:
فهي لمن شهد الواقعة ممن يمكنه القتال ويستعد له سواء قاتل أو لم يقاتل، ولا حق فيها لعاجز عن القتال بمرض وغيره، ولا لمن جاء بعد انقضاء الحرب.
لما روى أبو هريرة: أن أبان بن سعيد وأصحابه قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخيبر بعد أن فتحها فقال أبان: أقسم لنا يا رسول الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اجلس يا أبان» ولم يقسم له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- [3] .
ومن بعثه الأمير لمصلحة يقسم له، لما روي عن ابن عمر قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قام يوم الحديبية، فقال: «إن عثمان بن عفان انطلق في حاجة لله ورسوله، وإني أبايع له، فضرب له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسهم ولم يضرب لغيره» [4] ولأنه في مصلحتهم فاستحق سهمًا كالسرية.
قسمة الغنائم:
اتفق أهل الفقه على أنه يبدأ بإخراج مؤنة الغنيمة لحفظها ونقلها وسائر حاجتها، ثم يدفع الأسلاب إلى أهلها والأجعال لأصحابها، ثم يخمس باقيها، فيقسمه خمسة أسهم: سهم لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- يصرف في السلاح والكراع والمصالح، وسهم لذوي القربى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب غنيهم وفقيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، ثم يخرج باقي الأنفال والرضخ [5] .
(1) سورة الأنفال - آية رقم (41) .
(2) حاشية الدسوقي - جـ3 - ص169، حاشية الروض المربع - جـ4 - ص275.
(3) سنن أبي داود - جـ3 - ص38، حديث رقم (2723) ، والعدة شرح العمدة - ص583.
(4) المستدرك على الصحيحين - جـ3 - ص104، سنن أبي داود - جـ3 - ص74.
(5) الرضخ: هو ما دون السهم لمن لا سهم له من الغنيمة.
وفي الرضخ وجهان: أحدهما: أنه من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنه استحق بحضور الوقعة أشبه سهام الغانمين، والثاني: أنه من أصل الغنيمة لأنه استحق لأجل المعاونة في تحصيل الغنيمة فأشبه أجرة الناقلين، قال الوزير: اتفقوا على أن من حضرها من مملوك، أو امرأة أو ذمي، أو صبي رضح له على ما يراه الإمام، ولا يسهم لهم، بدائع الصنائع - جـ7 - ص124، وبداية المجتهد - جـ1 - ص332، ومواهب الجليل - جـ3 - ص351، والمهذب للشيرازي - جـ2 - ص245، وحاشية النجدي - جـ4 - ص279، والمغني - جـ9 - ص180، والمحلى - جـ7 - ص327.