كما يحرم نقل رءوس قتلى الأعداء من بلادهم إلى بلاد المسلمين؛ لأنه لا يعدو أن يكون تمثيلًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، فعن سليمان بن بريدة أنه قال:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أقر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا .. .» الحديث" [1] .
ولقد كانت هند بنت عتبة زوج أبي سفيان مع نسوة يمثلن بقتلى المسلمين بعد انتصار الكفار في غزوة أحد، وكانت تقطع أنوف وآذان قتلى المسلمين، وتتخذ منها قلائد وأقراطًا، وعندما شاهدت حمزة عم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقرت بطنه وجذبت بين يديها كبده وجعلت تلوكه بأسنانها فلما رآها النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذه الصورة عند دفن شهداء المسلمين بعد أن تركتهم قريش، حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- حزنًا شديدًا، وقال: «والله لأن أظهرني الله عليهم يومًا من الدهر لأمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب» وفي رواية: «لأمثلن بسبعين مكانك» قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل في ذلك: (( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ) ) [2] .
فعفا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصبر ونهى عن المثلة، وها هو ذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوصي بما أوصى به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقواده قال:"بسم الله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله، الزموا الحق والصبر فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرقوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا" [3] .
هذا هو طبع الإسلام الذي يطبع النفوس بروح التسامح والإحسان، وحسن معاملة المخالفين، فهو يدعو إلى حسن الخلق ولين الجانب، والرحمة بالضعيف، وعدم التشفي من المغلوبين، ويبين أن الأصل في العلائق بين البشر هو التعارف والتعاون والتخلي عن نزعة العدوان، والتجافي عن الظلم والطغيان.
(1) صحيح مسلم - جـ3 - ص1357، فن إدارة المعركة في الحروب الإسلامية - ص25.
(2) سورة النحل - آية رقم (126 - 127) .
(3) فن إدارة المعركة - ص25.