الصفحة 54 من 82

من ذلك: ما روي عن جابر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانوا يتفقد أسرى بدر، يسأل عن المريض والمجروح والعريان، فوجد العباس ليس عليه قميص يحميه من البرد، فقال: «انظروا له قميصًا» فوجد قميص عبد الله بن أبي يقر عليه فكساه النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه" [1] ."

ولقد بلغت بالرسول -صلى الله عليه وسلم- دقة تطبيقه لحكم القرآن الذي يأمر بالعفو عن الأعداد متى انتهوا عن عدوانهم أن نهى عن تعقب من يفر منهم من الحرب، فما بالك بمن يلقي سلاحه، ويتقدم إلينا صراحة طالبًا السلام! إن القرآن ليحرم علينا إيذاءه تحريمًا قاطعًا، بل يوجب علينا أن نعامله أحسن معاملة ومن ذلك تطبيب جرحه، ومداواة مرضه، قال تعالى: (( وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ) [2] .

وبهذا يتبين لنا أن الإسلام دين الرحمة لجميع الناس باعتباره رسالة عالمية، وادعى ما تتطلبه الرحمة والإنسانية هي مداواة حالة المرض ونزف الجروح، وقد أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك في فتح مكة بقوله: «ألا لا يجهز على جريح، ولا يتبعن مدبر، ولا يقتلن أسير، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن» رواه البيهقي [3] .

هذه كلها أدلة ملموسة على أن الإسلام لا يرمي قط إلى تعذيب أعدائه أو القضاء عليهم، ولكنه يرمي إلى تجنب خطرهم، فمتى تحقق الغرض المطلوب لم يبق للصراع في نظره مبرر؛ لأن هدفه إيجاد العلاقات العامة مع الناس قاطبة [4] .

ثالثًا: معاملة القتلى:

كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يوجه تعاليمه على قواده ناصحًا لهم بالتزام النظام الإسلامي وحسن السلوك في قتالهم، ومن بين هذه النصائح تحذيره المتكرر من السلب والنهب، والقتل غدرًا، والتمثيل بجثث القتلى [5] .

والمقرر دوليًا حسب اتفاقيات 1939/ 1949م أنه يجب على الدول المتحاربة نحو القتلى احترام جثثهم ولزوم دفنهم وسرعة تبادل المعلومات عنهم وإيقاف القتال لنقلهم ودفنهم، كما يوقف أحيانًا لإعانة الجرحى الموجودين في ميدان القتال، فيمتنع على الدول المتحاربة العبث بأشلاء القتلى والتمثيل بهم، وسلب ما يكون معهم من نقود أو حلي وما يلزم التحقيق من شخصية المتوفى وإرسال المعلومات عنهم إلى دولهم [6] .

هذا ما قرره القانون الدولي فما هو موقف الإسلام؟ لقد سبق الإسلام هذه الدساتير في التنظيم فحث على احترام جثث القتلى، واحترامها من ضمن عقيدة المسلم التي يجب الإيمان بها والعمل على احترامها حتى وإن حدث من العدو العكس.

يقول الإمام الشافعي (رحمه الله) :"ويحرم التعذيب والتمثيل بالقتلى بعد الظفر بهم والقدرة على الكفار، ولا يجوز التمثيل بقطع يد، ولا قطع رجل، ولا عضو، ولا مفصل، ولا بقر بطن، ولا تحريق ولا تغريق؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المثلة."

(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري - جـ6 - ص108.

(2) سورة النساء - آية رقم (94) .

(3) العلاقات العامة والخاصة، أ. د/ نصر فريد واصل - ص76.

(4) دراسات إسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية، د/ محمد عبد الله دراز - ص143.

(5) لمحات في الثقافة الإسلامية، د/ عمر عودة الخطيب - ص271.

(6) القانون الدولي لأبو هيف - ص864، وآثار الحرب - ص455.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت