الصفحة 53 من 82

سببًا لإسلامه فالمن عليه أصلح كما حدث لثمامة بن آثال، الذي تركه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم وأسلم قومه معه، ومنهم من ينتفع بخدمته ويؤمن شره فاسترقاقه أصلح.

والإمام أعلم بالمصلحة فينبغي أن يفوض إليه ذلك، إذا ثبت كل هذه الأمور فإن التخيير المشروع تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة، فإذا رأى أن مصلحة المسلمين في قتله بأن يكون ذا شوكة وبأس يخاف الضرر بتركه لم يجز إلا قتله، وما رأى فيه مصلحة من سائر الخصال تحتم ولم يجز له غيره، ومتى تردد في هذه الأمور فالقتل أولى.

إسلام الأسير:

هذا الذي ذكرناه إذا لم يعتنق الأسير الإسلام، فإن اعتنق الأسير الإسلام فإنه لا يجوز رده إلى أهل الشرك منعًا للفتنة في الدين.

فإن كان امرأة لا يجوز ردها محافظة على شرف المسلمة، وهذا باتفاق بين الفقهاء.

لقوله تعالى: (( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) ) [1] .

فإن أسلم الأسير سواء كان رجلًا أو امرأة أو صبيًّا عصم دمه وماله، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» [2] .

ومن هنا يتضح أنه لا يجوز قتل الأسير الذي أعلن إسلامه [3] كما لا يجوز استرقاقه لإلغاء الرق قانونًا، وإلغاؤه يتفق مع روح الإسلام، بل إنه يتفق مع أصل إقراره ومشروعيته، فإن الرق لم يقره الإسلام إلا لضرورة ومعاملة بالمثل.

وإذا صار استرقاق الأسير غير جائر بمقتضى عرف عام أو قانون دولي كما هو الحال الآن لم يجز للمسلمين أن يسترقوا أسيرًا، فإن هم فعلوا ذلك فقد خالفوا الإسلام وتعاليمه الرشيدة [4] .

ثانيًا: معاملة الجرحى والمرضى:

إن الإسلام حين أباح الحرب وحدد أغراضها قد ميز تمييزًا واضحًا بين المحاربين وغير المحاربين، فأمر بأن لا يقتل إلا من يقاتل، فجاء بالنهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال والمرضى والمعتوهين.

ويستنكر الإسلام تلك العادة الهمجية التي يشيع استعمالها أثناء الحروب، ألا وهي تعذيب الأعداء ومعاملتهم بالقسوة والخشونة [5] .

ولقد اعتنى الإسلام من أول ظهوره بمعاملة أسرى العدو وخاصة الجرحى والمرضى، بما يتفق ومبادئ الإسلام السمحة، ألا وهي:"الإحسان إلى المخالفين".

(1) سورة الممتحنة - آية رقم (10) ، تفسير القرطبي - جـ8 - ص31.

(2) صحيح البخاري - جـ3 - ص59.

(3) حتى وإن قالها خوفًا من القتل"تقيه"لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للصحابي «هلا فتشت عن قلبه» .

(4) موقف الرق في الإسلام - أ. د/ محمد عبد الرحمن مندور، العلاقات العامة والخاصة - أ. د/ نصر فريد واصل - - ص76 فما بعدها.

(5) لمحات في الثقافة الإسلامية - د/ عمر عودة الخطيب - ص270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت