الصفحة 52 من 82

ونشرت جريدة أزفستيا في عددها الصادر في 15 يولية سنة 1922م تقريرًا لرفيقها لينين عن مجاعة القرم نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من أقوات ليضطروهم إلى التسليم.

بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع (302.000) مات منهم (14.413) وارتفع عددهم في شهر مارس إلى (379.000) مات منهم (19.902) بلغ في أبريل (377.000) مات منهم (12.754) [1] .

هذا بالإضافة إلى ما يحدث الآن من اضطهاد للمسلمين في أغلب البلدان، وغير خافٍ ما حدث بالبوسنة، وما يحدث في الشيشان، وكشمير إلى غير ذلك من البلدان الإسلامية، وما حدث الآن في العراق وأفغانستان شاهد على ذلك.

مصير الأسرى:

مذهب جمهور الفقهاء: أن الإمام أو نائبه يفعل ما هو الأصلح والأحظ للمسلمين.

قال ابن المنذر: اتفق الفقهاء على أن الإمام مخير في الأسرى بين القتل والاسترقاق، وبين المن والفداء لفعله -صلى الله عليه وسلم- بأهل مكة.

أما القتل: ففيه تقليل مادة الكفر والفساد، وما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل رجال بني قريظة، وهم ما بين الستمائة والسبعمائة، وقتل بيوم بدر عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث صبرًا.

ولأن العدو قد يكون منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، فيكون قتله أصلح للمسلمين [2] .

وأما الاسترقاق: فلأن فيه دفع شرهم، مع وفور المنفعة للمسلمين.

وأما جواز المن والفداء:

فلقوله سبحانه: (( فَإِمَّا مَناًّ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً ) ) [3] وأيضًا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد منَّ على ثمامة بن آثال وقال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًّا ثم سألني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له» [4] .

ودليل الفداء: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فادى أسارى بدر وكانوا ثلاثة وسبعين رجلًا ففادى كل رجل بأربع مائة، وفادى يوم بدر رجلًا برجلين، وصاحب العضباء برجلين.

وهذه الروايات اشتهرت وعلمت، وقد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كل واحدة منها مرة أو مرارًا، وهو دليل الجواز، وهذا قول الجمهور [5] .

ويرى الإمام أبو حنيفة: أنهم لا يفادون بأسرى المسلمين.

دليله: قوله تعالى: (( فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ ) ) [6] ، وقوله تعالى: (( وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) ) [7] ، فيجب قتلهم وذلك يمنع ردهم.

ولأن الكافر يصير حربًا علينا، ودفع شر حرابهم خير من تخليص المسلم منهم؛ لأن كون المسلم في أيديهم ابتلاء من الله تعالى غير مضاف إلينا، وإعانتهم بدفع الأسير إليهم مضاف إلينا.

ومفادة النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر عاتبه الله عليها بقوله تعالى: (( لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ ) ) [8] ، الآية، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر حزينًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر» [9] لأنه أشار بقتلهم دون الفداء.

قال تعالى: (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ) [10] .

ويجاب على قول الإمام: بأنه وإن كان القتل جائزًا بالنسبة للأسير بموجب هذه الآية إلا أن الجواز مقيد بالضرورة القصوى كالحاجة إلى إضعاف العدو وإغاظته لتمكين المسلمين من النصر، أي أن هذا هو ما تمليه المصلحة العامة للمسلمين.

فكان قتل الأسرى في الإسلام أقرب إلى التحريم منه إلى الإباحة، وإن أبيح فهو دواء ناجح في حالات فردية خاصة وللضرورة التي لا غنى عنها، وهذا هو الثابت من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- من جوازه قتل عقبة بن أبي معيط والنضير بن الحارث، وهما من أسارى بدر، وقتل الرجال البالغين المحاربين من بني قريظة نزولًا على حكم سعد بن معاذ الذي اختارونه ليحكم فيهم، فقد كان في قتل هؤلاء البعض من الأسرى حسمًا لمادة الفساد واستئصالًا لجذور الفساد والشر، التي تستمر لولا التخلص منهم [11] .

فقد كان الإسلام في مبدأ أمره والدعوة محتاجة لتوسيع الطريق لها حتى تنتشر راية الإسلام، وكان هؤلاء أكبر عائق في طريقها، وبذلك يصبح القتل غير مباح في الحالات العادية.

إذ ثبت هذا فإن كل خصلة من هذه الخصال الأربع وهي القتل، أو الاسترقاق، أو المن وهو إطلاق سراح الأسرى دون مقابل أو الفداء بمال يدفعه الأسرى [12] أو بتبادل الأسرى، قد تكون هي الأصلح، فإن بعض الأسارى من يكون له قوة ونكاية فقتله أصلح، ومنهم الضعيف الذي له مال كثير ففداؤه أصلح، ومنهم من هو حسن الرأي في الإسلام فإطلاقه ربما كان

(1) أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، د/ علي محمد جريشة - ص128.

(2) الاختيار لتعليل المختار - جـ4 - ص125، حاشية الخرشي - جـ3 - ص152، مغني المحتاج - جـ4 - ص223، حاشية النجدي - جـ4 - ص272، المغني لابن قدامة - جـ9 - ص180.

(3) سورة محمد - آية رقم (4) .

(4) رواه البخاري - حديث رقم (2970) ، المحرر في الحديث لابن قدامة - ص138.

(5) حاشية الدسوقي - جـ2 - ص176، 177، مغني المحتاج - جـ4 - ص223، المغني لابن قدامة - جـ9 - ص180، المحلى لابن حزم جـ7 - ص296.

(6) سورة التوبة - آية رقم (5) .

(7) سورة البقرة - آية رقم (193) .

(8) سورة الأنفال - آية رقم (193) .

(9) تأويل مختلف الحديث - جـ1 - ص158.

(10) سورة الأنفال - آية رقم (67، 68) .

(11) آثار الحروب للزحيلي - ص415، المحلى لابن حزم - جـ7 - ص296، 297، بدائع الصنائع - جـ7 - ص101.

(12) فإن فداهم بمال كان غنيمة تقسم بين الغانمين، وهذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قسم فداء أسرى بدر بين الغانمين ولأنه مال غنمه المسلمون فأشبه الخيل والسلاح.

وإن استرقهم كانوا أيضًا غنيمة بين المسلمين لأنهم الذين أسروهم وقهروهم، حاشية الخرشي - جـ3 - ص152، مواهب الجليل - جـ3 - ص386، العدة شرح العمدة - ص573، الحاوي الكبير للماوردي - جـ18 - ص129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت