وشرط الحرب: بلوغ الدعوة باتفاق بين أهل العلم، أي: لا تجوز حرابتهم حتى يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وذلك شيء مجمع عليه بين المسلمين، لقوله تعالى: (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) ) [1] .
وما جاء في الحديث: عن سلمان بن بريدة عن أبيه قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( إذا أمَّر رجلًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: أدعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ) ) [2] .
ومن حديث علي بن أبي طالب يوم خيبر قال: «يا رسول الله، نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا (أي: مسلمين) فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم أدعهم إلى الإسلام فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم» [3] .
ويجب أن يدعو من لم تبلغه الدعوة، ليعلموا ما يقاتلهم عليه فربما أجابون فنكفى مؤنة القتال.
فإن قاتلهم بغير دعوة قيل: يجوز؛ لأن الدعوة إلى الإسلام قد انتشرت في دار الحرب فقام الشيوع مقام البلوغ [4] .
وقيل: لا يجوز، وهو آثم للنهي أو لمخالفة الأمر.
ولأن الشيوع في بعض البلاد لا يعتبر شيوعًا في الكل، ويستحب أيضًا الإنذار لمن بلغته الدعوة، وهو غير واجب؛ لأنه عليه الصلاة والسلام، أغار على بني المصطلق، وهم غارون.
وعن أسامة بن زيد"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عهد إليه أن يغير على بني الأصفر صباحًا ثم يحرق نخلهم"والغارة لا تكون عن دعوة.
فإن أبوا يعني عن الإسلام والجزية [5] استعانوا بالله تعالى وحاربوهم، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم» ولأنه أعذر إليهم فأقاموا على عداوتهم فوجبت مناجزتهم، وأن يستعان بالله عليهم؛ لأنه الناصر لأوليائه المذل لأعدائه فيستعان به في كل الأحوال [6] .
(1) سورة الإسراء -آية رقم (15) .
(2) شرح مسلم - جـ6 - ص354.
(3) فتح الباري - جـ6 - ص109.
(4) الاختيار لتعليل المختار - جـ4 - ص117، 118.
(5) الجزية: وهي ما يدفع من أموال نظير تأمينهم، أو هي من المجازاة على جحودهم للإسلام، وهو ما يؤخذ من أهل الذمة.
وفي الشرع: المال المأخوذ من الذميين نظير إقرارهم وحمايتهم، وهي جائزة عند الحاجة إليها، كما إذا كانت قبل القدرة عليهم، قال تعالى:"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"التوبة (29) ، مختار الصحاح (103) حرف الجيم، حاشية الخرشي - حـ4 - ص143، مواهب الجليل - جـ3 - ص380.
(6) الاختيار لتعليل المختار - جـ4 - ص118، المغني لابن قدامة - جـ9 - ص178، نيل الأوطار - جـ7 - ص261، وسبل السلام - جـ4 - ص46، المحرر في الحديث لبيان الأحكام الشرعية - ص136 - ط/ المكتبة التجارية.