الصفحة 47 من 82

وقد اتفق المفسرون على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم بنو النضير، ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري فقال: هم بنو قريظة، وهذا خطأ.

لأن بني قريظة ما حشروا بل قتلوا بحكم سعد بن معاذ، لما رضوا بحكمه، فحكم عليهم بأن يقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتغنم أموالهم فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسعد: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» [1] .

كذلك لم ينذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- قريشًا يوم فتح مكة، لبدئهم بالغدر، ولقد أغار المسلمون على أهل خيبر، وبني المصطلق بدون سابق إنذار لوجود حالة حرب بينهم.

وقد سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أهل الدار من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم فقال: «هم منهم» [2] .

ثانيًا: إعلان الحرب والنبذ:

إذا كان العدو مقيمًا في بلاد المسلمين بعهد فنقضه، فلا يجوز قتاله، وإنما ينبذ إليه ويبلغ مأمنه، تحرزًا من الغدر والخيانة؛ لأن قاعدة المسلمين:"وفاء بعهد من غير غدر خير من غدر بغدر".

قال تعالى: (( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ ) ) [3] .

والنبي -صلى الله عليه وسلم- نبذ الموادعة التي كانت بينه وبين أهل مكة، ولأن المعتبر المصلحة، فإذا تبدلت يصير النبذ جهادًا، وتركه وترك الجهاد صورة ومعنى، ولابد من النبذ تحرزًا عن الغدر المنهي عنه، ويكتفى بعلم الملك؛ لأنه صاحب أمرهم ويعلمهم بذلك، ويشترط مدة يبلغ فيها الخبر، أي: خبر النبذ إلى جماعتهم، فإن مضت مدة يمكن الملك إعلامهم فيها جاز مقاتلتهم وإن لم يعلمهم؛ لأن التقصير من ملكهم فلا يكون عذرًا [4] .

والمأمن: هو مكان يأمن فيه الشخص على نفسه وماله، وهو ما يسمى اليوم بإبعاد الأجانب، وهو تكليف الشخص بمغادرة الإقليم، أو إخراجه منه بغير رضا.

وهو عند الشافعية: أقرب بلاد من دار الإسلام، ولو اعتبر المأمن هو الوطن في العرف الحديث لم يبعد.

والواقع أن الفقهاء نظروا إلى دار الحرب كمجموع متحزب على المسلمين فإبلاغ الشخص مأمنه، هو إبلاغه دار التي يجد فيها الحماية.

فإذا كان بعض بلاد الحرب عدوًا لبعض بلغ الشخص المكان الذي يجد فيه الأمان [5] .

ثالثًا: إبلاغ الدعوة الإسلامية (الإنذار بالحرب) :

وهو تخيير العدو بين الإسلام أو العهد أو القتال.

(1) فتح الباري - جـ7 - ص412، فتح القدير للشوكاني - جـ5 - ص194.

(2) آثار الحروب في الإسلام، د/ الزحيلى - ص133، 134.

(3) سورة الأنفال - آية رقم (58) .

(4) الاختيار لتعليل المختار - جـ4 - ص121، بدائع الصنائع - جـ7 - ص123.

(5) آثار الحرب في الإسلام - ص134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت