الفصل الخامس
في
الإعداد للجهاد
للإعداد أثر كبير في رفع معنويات المجاهدين، وفى إنزال السكينة في قلوبهم، فإن تبين للجنود أنه تم إعدادهم إعدادًا جيدًا اطمأنوا للنصر بتوفيق الله وعونه.
قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفاًّ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) ) [1] .
وقد بين الله تعالى لنا في القرآن الكريم أنه لابد من الإعداد الجيد.
قال تعالى: (( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) ) [2] .
وللإعداد للمعركة جانبان: جانب الروحي وجانب مادي.
أولًا: الإعداد الروحي:
من الواضح أن السلاح مهما كان مطورًا فإنه لا يفعل شيئًا بدون من يوجه إلى صدور الأعداء، ومن هنا نشأت أهمية إعداد الجندي الذي سيحمل هذا السلاح.
وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهتم بالمقاتلين ويتولاهم بالإعداد المستمر، فقد كان يربيهم على ما يلي:
أولًا: غرس التقوى في نفوس المجاهدين.
فما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أميرًا أو سرية إلا وأوصاها بتقوى الله.
فتقوى الله هي رأس الأمر كله؛ لأن بها تسمو النفس وتترفع عن الصغائر، وهى طابع مميز للمرء المسلم.
وقد أوصى بها خلفاؤه الراشدون من بعده، فهذا أبو بكر الصديق يوصي خالد بن الوليد بقوله:"يا خالد، عليك بتقوى الله، وإيثاره على من سواه، والجهاد في سبيله، والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل السابقة من المهاجرين والأنصار فشاورهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم" [3] .
ومنه يتضح بأن الصلة وثيقة بين التقوى ونصر الله على الأعداء. وهى تتحقق بالصلاة، والإخلاص لله بالدعاء.
أولًا: الصلاة وفيها راحة للبال، وبواسطتها يستمد الجندي العون من الله وتسمى صلاة الخوف وصفتها كالتالي:
وهى أن يجعل الإمام الناس طائفتين: طائفة أمام العدو، وطائفة يصلي بهم ركعة: إن كان مسافرًا لأنه شطر صلاته، وركعتين إن كان مقيمًا، وكذا في المغرب، وتمضي إلى وجه العدو، وتجيء تلك الطائفة فيصلي بهم باقي الصلاة، ويسلم وحده، ويذهبون إلى وجه العدو، وتأتي الأولى فيتمون صلاتهم بغير قراءة ويسلمون ويذهبون، وتأتي الأخرى فيتمون صلاتهم بقراءة ويسلمون.
فإذا اشتد الخوف: صلوا ركبانًا وحدانًا يؤمنون إلى أي جهة قدروا [4] .
دليلها: قوله تعالى: (( وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ) ) [5] .
ثانيا: ذكر الله وهو التوجه إلى الله بالدعاء.
قال تعالى: (( فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ) ) [6] . فعلى الجندي أن يستمسك بحبل الله، وأن يطلب منه العون والنصر. ومن أدعية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم منزل الكتاب مجري السحاب وهازم الأحزاب أهزمهم وانصرنا عليهم» [7] .
وعند العودة يكبر ثلاثًا ويقول كما يقول في العودة من السفر: آيبون إن شاء الله تائبون عابدون حامدون لربنا ساجدون.
ثالثًا: الحث على الشجاعة والإقدام من القائد:
وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحث جنوده على ذلك، بل كان الصحابة عندما يشتد حمى المعركة يتقون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل كان أسبقهم إلى ساحة القتال في كل الأحوال.
من ذلك لما فزع أهل المدينة، كان النبي أسبقهم على فرس، قال أنس: وجدناه بحرًا [8] "أي: واسع الخطى، سريع الجري".
ومن القوة والبسالة والشجاعة في صدر الإسلام أن المجاهد كان يصرع عشرة من الأعداد، ثم خفف الحكم فجعل ثبات المسلم أمام اثنين تخفيفًا من الله للضعف.
قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) ) [9] .
قال تعالى: (( الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ) ) [10] .
(1) سورة الصف - آية رقم (9) .
(2) سورة الأنفال - آية رقم (60) .
(3) فن إدارة المعركة في الحروب الإسلامية، أ/ محمد فرج - ص29، والسياسة الشرعية لابن تيمية - ص125.
(4) الاختيار لتعليل المختار - جـ1 - ص88.
(5) سورة النساء - آية رقم (102) .
(6) سورة النساء - آية رقم (103) .
(7) فتح الباري - جـ6 - ص156.
(8) فتح الباري - جـ6 - ص36.
(9) سورة الأنفال - آية رقم (65) .
(10) سورة الأنفال - آية رقم (66) .