الصفحة 21 من 82

نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا

وللفصل بين القولين نقول: بأنه يمكن التوفيق بين القولين بأن يحمل القول بأنه فرض عين بأن الجهاد في عهده -صلى الله عليه وسلم- كان فرض عين عند إحاطة العدو بالمسلمين كالأحزاب من الكفار الذين تحزبوا حول المدينة فإنه مقتض لتعيين جهاد المسلمين لهم، وذلك بخلاف خروج المسلمين للقاء عدوهم، فإنه لا يتعين على الجميع الخروج، وإلا تعطل المعاش بين المسلمين.

وأما حكم الجهاد بعد عهده -صلى الله عليه وسلم-:

أحدهما: أن يكونوا ببلادهم والمسلمون في أمان منهم، فالجهاد فرض كفاية لا فرض عين، كما دلَّ عليه سير الخلفاء الراشدين، وحكى القاضي عبد الوهاب فيه الإجماع.

وإلا لو فرض على الأعيان لتعطل المعاش، وقد قال الله تعالى: (( لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى ) ) [1] .

وقال تعالى: (( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ) [2] .

وهذه الآية تحث على أن تنفر طائفة وتمكث طائفة وفي ما يدل على مشروعية الخروج لطلب العلم، وذلك أن السفر الواجب على نوعين: سفر الجهاد، وسفر لطلب العلم ويكون الخروج لطلب العلم واجبًا إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر.

وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين، وإنذار من لم يتفقه فجمع بين المقصدين الصالحين، والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني [3] .

ومن هذا العرض يتبين أن الجهاد فرض على سبيل الكفاية، وإذا أحتيج الأمر إلى زيادة زيد إليها بقدر الحاجة، ويقوم مقام ذلك أن يشحن رئيس الدولة الثغور بالعدد والعدد مع إحكام الحصون، والخنادق.

وإذا فعل هذا من فيه الكفاية، وإن لم يكن القائم به من أهل فرضه كالصبيان والنساء سقط الإثم عن الباقين لحصول الفعل بمن فيه كفاية [4] .

ولعل الحكمة من مشروعية الجهاد قد ظهرت ويمكن إرجاعها إلى الأسباب التالية:

1 -الدفاع عن النفس والأهل والمال.

(1) سورة النساء - آية رقم (95) .

(2) سورة التوبة - آية رقم (122) .

(3) فتح القدير للشوكاني - جـ2 - ص397.

(4) تفسير القرطبي - جـ2 - ص347، وأحكام القرآن للجصاص - جـ1 - ص300.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت