الصفحة 20 من 82

الدين، لقوله -صلى الله عليه وسلم- للذي سأله: أيكفر الله عني خطاياي إن قتلت صابرًا محتسبًا في سبيل الله؟ قال: «نعم إلا الدَّيْن» [1] .

وهو مكرمة، وعزة، وأي عزة، وهو أفضل الأعمال على الإطلاق عند الله تعالى، وثوابه يربو عن ثواب الحج والعمرة والصيام والقيام، ويكفيه فضيلة أن الله تبارك قد تكفل للمجاهد إما بالنصر والظفر، أو بالجنة والعاقبة الحسنى، وقد شهد للجهاد العديد من الآيات الكريمة التي تشهد له بالفضل: منها:

قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ) ) [2] .

وقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) ) [3] .

وقوله تعالى: (( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ) ) [4] .

وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة تشهد للجهاد بالفضل العظيم.

ومنها: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده! هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك» [5] .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله، كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر وغنيمة» [6] .

قال ابن تيمية: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهر عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله، ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكيل عليه وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد وذكر الله تعالى وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر، والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة [7] .

مشروعية الجهاد:

شرع الجهاد لرد العدوان ودفع الشر وللدفاع عن النفس، وهو مبدأ لا يقبل الجدال.

وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع:

من الكتاب: قوله تعالى: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ ) ) [8] ، وكتب بمعنى: فرض، وقوله تعالى: (( وَاقْتُلُوَهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ ) ) [9] ، وقوله تعالى: (( وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) ) [10] .

والأمر في هذه الآيات يقتضي الوجوب، ومن هنا قال الفقهاء [11] :

بأنه يجب عينًا على كل ذكر، مسلم، حر، مكلف، صحيح، ولو أعشى، أو أعور واجد بملك أو بذل إمام ما يكفيه وأهله في غيبته، ومع مسافة قصر ما يحمله بلا خلاف لقوله تعالى: (( لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المَرِيضِ حَرَجٌ ) ) [12] ، وقوله تعالى: (( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ ) ) [13] ، لأن هذه الأعذار تمنع من الجهاد، ولا يجب على أنثى بلا نزاع، ويلزم العاجز ببدنه في ماله [14] .

وأما السنة المشرفة:

الجهاد أصل من أصول الأديان، ولا يستقيم أمر المسلمين إلا به، وقد أوضح النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الحقيقة عندما قال: «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» [15] .

وما ورد في البخاري: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» [16] .

وما ورد عند مسلم: قال -صلى الله عليه وسلم-: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها» [17] .

وكان الجهاد في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة فرض كفاية لا فرض عين على المعتمد، أما كونه فرضًا فبالإجماع.

وأما كونه على الكفاية فلقوله تعالى: (( لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى ) ) [18] .

ففاضل الله سبحانه بين المجاهدين والقاعدين ووعد كلا بالحسنى، والعاصي لا يوعد بها، ولا يفاضل بين مأجور ومأزور.

قال السهيلي: كان فرض عين على الأنصار دون غيرهم لأنهم قد بايعوا عليه، قال شاعرهم:

(1) صحيح مسلم - جـ3 - ص1501، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين.

(2) سورة الصف - الآيات رقم (10 - 12) .

(3) سورة التوبة - آية رقم (111) .

(4) سورة التوبة - آية رقم (19) ، تفسير القرطبي - جـ3 - ص38.

(5) فتح الباري - جـ6 - ص4، صحيح مسلم - جـ3 - ص1498.

(6) فتح الباري - جـ6 - ص6، مختصر صحيح مسلم - ص220.

(7) السياسة الشرعية لابن تيمية - ص122 - ط/ دار الكتاب العربي سنة 1969م، التفسير الموضوعي دار زاهر الألمعي - ص334.

(8) سورة البقرة - آية رقم (216) .

(9) سورة النساء - آية رقم (89) .

(10) سورة التوبة - آية رقم (36) .

(11) بدائع الصنائع - جـ7 - ص98، مواهب الجليل - جـ3 - ص347، 348، مغني المحتاج - جـ4 - ص219، المحلى لابن حزم - جـ7 - ص292.

(12) سورة الفتح - آية رقم (17) .

(13) سورة التوبة - آية رقم (91) .

(14) الروض المربع بشرح زاد المستنفع / 132.

(15) سنن الترمذي - جـ7 - ص281، المعجم الكبير - جـ20 - ص143.

(16) فتح الباري - جـ6 - ص5.

(17) سبق تخريجه - ص25.

(18) سورة النساء - آية رقم (95) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت