الصفحة 19 من 82

وتتحقق مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين لقوله تعالى: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ) ) [1] .

ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» [2] .

حكم الجهاد:

اتفق الأئمة الأربعة وابن حزم [3] على أن الجهاد فرض على سبيل الكفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، وإلا أثم الكل وهو فرض على سبيل الكفاية.

لقوله تعالى: (( فَضَّلَ اللَّهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القَاعِدِينَ دَرَجَةً ) ) [4] . وقوله تعالى: (( وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ) ) [5] ، ولأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث السرايا، ويقيم هو وأصحابه، ولم يخرج قط للغزو إلا ترك بعض الناس، فاقتضى كونه فرض كفاية إذا قام به البعض، يكون سنة في حق الباقين، وإذا فعله الجميع كان كله فرضًا.

قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد، وفي الصحيحين: «لغدوة في سبيل الله أو روحة، خير من الدنيا وما فيها» [6] ، وفيهما: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ما بين كل درجتين، كما بين السماء والأرض» [7] فهذا ارتفاع خمسين ألف سنة في الجنة لأهل الجهاد.

وقيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن مجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» .

وهو سنام العبادة، وذروة الإسلام، وهو المحك، والدليل المفرق بين المحب والمدعي، فمن صدق المحب بذل مهجته وماله لربه، حتى يود لو أن له بكل شعرة نفسًا بذلها في مرضاته، ويود أن لو قتل ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي، وقد سلم نفسه لمشتريها وعلم أن لا سبيل إلى أخذ تلك السلعة الغالية إلا ببذل ثمنها.

قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ) ) [8] ، ففيه خيري الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، وفيه إحدى الحسنيين إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة [9] .

فضل الجهاد:

الجهاد في سبيل الله فضله عظيم، كيف وحاصله بذل أعز المحبوبات، وإدخال أعظم المشقات على النفس ابتغاء مرضاة الله، وتقربًا إليه ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه وخطره، فلا يساويه في فضله، والشهادة فيه تكفر الذنوب غير

(1) سورة محمد - آية رقم (19) .

(2) فتح الباري - جـ1 - ص160، التفسير الموضوعي - دار زاهر الألمعي - ص335 فما بعدها.

(3) بدائع الصنائع - جـ7 - ص98، حاشية الدسوقي - جـ2 - ص155 - ط/ دار الفكر، مغني المحتاج - جـ4 - ص208، المغني لابن قدامة - جـ13 - ص5، المحلى لابن حزم - جـ7 - ص291.

(4) سورة النساء - آية رقم (95) .

(5) سورة التوبة - آية رقم (122) .

(6) صحيح البخاري - جـ3 - ص1028، كتاب الجهاد والسير، باب الغدوة والروحة في سبيل الله - ط/ دار ابن كثير، صحيح مسلم - جـ3، ص1499، كتاب الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله- ط/ دار إحياء التراث العربي.

(7) صحيح البخاري - جـ6 - ص2700، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، صحيح مسلم - جـ3 - ص1501، كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله للمجاهد في الجنة من الدرجات.

(8) سورة التوبة - آية رقم (111) .

(9) العدة شرح العمدة - ص566، المحرر في الحديث لبيان الأحكام الشرعية لابن قدامة - ص38 - ط/ المكتبة التجارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت