ولقد ظل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته بعد البعثة نحو أربعة عشر عامًا يتحملون ألوان العذاب والأذى من قبل المشركين حتى إنهم طلبوا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنواعًا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى والرشاد.
من ذلك ما يقصه القرآن الكريم في قوله تعالى: (( وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَاتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولًا ) ) [1] .
وفي هذا الجو من الصراع مع قريش ظل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعو المشركين بالحكمة والموعظة الحسنة دون أن تلين له قناة، أو يؤثر على صبره شيء، أو يؤذن له بالقتال ورد العدوان.
وإنما كان العكس وهو النهي عن القتال، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ) [2] .
وقوله تعالى: (( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ) ) [3] .
وقوله تعالى: (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ) [4] .
ثم كانت الهجرة، فلم يكف المشركون عن سيرتهم العدوانية حتى ضجر المسلمون، وترقبوا نزول الوحي، والإذن بالقتال بعد النهي عنه في نيف وسبعين آية.
وكانت الآيات القرآنية بشأن هذا الإذن تحمل في طياتها أسباب المشروعية من دفع الظلم ومنع الفتنة في الدين وكفالة حرية العقيدة والوطن للناس، فنزل قوله تعالى: (( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) ) [5] .
وجاء الترخيص بالقتال للإباحة بعد الحظر، وهذه هي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في أكثر من سبعين آية على ما رواه الحاكم في «المستدرك» .
عن ابن عباس -رضي الله عنه- ما وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال: «لما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن فنزلت الآية: (( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ... ) )الآية، قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال» [6] .
وأخرج ابن جرير عن أبي عالية: إن أول آية نزلت في القتال قوله تعالى: (( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ) ) [7] .
وفي «الإكليل» للحاكم إن أول آية نزلت فيه (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) ) [8] .
(1) سورة الإسراء - الآيات من (90 - 93) .
(2) سورة الحجر - آية رقم (85) .
(3) سورة الحجر - الآيات رقم (92 - 94) .
(4) سورة النحل - آية رقم (125) .
(5) سورة الحج - آية رقم (39) .
(6) المستدرك على الصحيحين - جـ2 - ص76، سنن الترمذي - جـ5 - ص325، وقال: هذا حديث حسن.
(7) سورة البقرة - آية رقم (190) .
(8) سورة التوبة - آية رقم (111) .