ومن الملاحظ أن المسيح -عليه السلام- قد دعا إلى الجهاد في سبيل العقيدة، فقد جاء في إنجيل متى الإصحاح العاشر:"لا تظنوا أني قد جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها، والسكنة ضد حمأتها"وهي زوجة الابن.
وبهذا يظهر أن المسيح كما دعا إلى السلام في صورة مبدأ مثالي فقد أقر الجهاد والحرب في سبيل نشر العقيدة إلا أن المسيحيين أرادوا بالحرب القضاء على الإسلام كما حدث في الحروب الصليبية طيلة ثلاثة قرون، وفي غيرها في أسبانيا وفرنسا وإيطاليا وفي شرق أوروبا ففي الأندلس مثلًا لم يكن رائد الأسبان في جهادهم الطويل لإخراج المسلمين من الجزيرة سوى عواطف دينية يشوبها تعصب عميق لم تألفه الجماعات الإسلامية.
فقد عقد مسلمو غرناطة معاهدة التسليم والأمان مع"فرديناند"و"إيزابلا"إلا أنهما نكثا بالعهود والمواثيق فكبد هذا فقدان ما يقارب من ثلاثة ملايين من المسلمين ونحو مليون من اليهود أعمل فيهم الكاثوليك رقابهم السيف تنكيلًا وانتقامًا [1] .
وإليك موقفًا من مواقف أهل العداء يتمثل في"ريتشارد قلب الأسد"الذي أمن حامية بيت المقدس من المسلمين على أنفسهم، وعاهدهم على أن يفي لهم بعهدهم شرط أن يفتحوا الأبواب ويسلموا أنفسهم، ولما فعلوا ذلك قتلهم جميعًا، ثم أباح المدينة لجيوشه فبلغ عدد من ذبحه الصليبيون من العجزة والنساء والأطفال سبعين ألفًا من المسلمين.
وفي المقابل نلاحظ أن"صلاح الدين الأيوبي"ذلكم الذي تشبع بتعاليم الإسلامية السمحة لما استعاد بيت المقدس، من أيدي الصليبيين بعد حوالي تسعين عامًا من هذه الفاجعة التي قام بها الصليبيون، لم يعاملهم بالمثل، إذ أنه لما سلمت له الحامية المسيحية أمنهم على حياتهم، وكانوا أكثر من مائة ألف، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يومًا. وقال:"لا أغدر بهم وفاء بقدر خير من غدر بغدر" [2] .
إنها من روائع الإسلام الذي ربى أبناءه على القيم النبيلة والأخلاق الرفيعة.
عالمية الإسلام وإنسانيته:
يضع الإسلام بارتكازه على عقيدة التوحيد المتسقة مع الفطرة الإنسانية أسس الوحدة الإنسانية القائمة على الحق والعدل، باعتبار الدعوة الإسلامية دعوة للبشرية جمعاء تقيمهم على أساس الوحدانية في العقيدة والعبادة والأخلاق والعلاقات الإنسانية، قال تعالى: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ) ) [3] .
فلقد جاءت الرسالة المحمدية موجهة لخير بني الإنسان ترشدهم إلى الخير، وتحذرهم من الشر، وتحقيقًا لخيري الدنيا والآخرة، قال تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) ) [4] .
وإليك أهم الخصائص التي يجب أن يشتمل عليها الدين لكي يكون صالحًا لكل زمان ومكان.
أولًا: وفاؤه بحاجة الإنسانية جميعًا، فيما يصون وحدتها ويرعى إنسانيتها، ويحمي أفرادها في العاجل والآجل.
(1) العلاقات السياسية الدولية للعمري - ص121، والعلاقات العامة والخاصة- أ. د/ نصر فريد - ص47.
(2) نحو مجتمع إسلامي للعلامة / سيد قطب - ص125، ولمحات في الثقافة الإسلامية - د/ عمر عودة الخطيب - ص285 - ط/ مؤسسة الرسالة عام 1984م.
(3) سورة الروم - آية رقم (30) .
(4) سورة سبأ - آية رقم (28) .