وإن حال دونه غيم أو قتر فظاهر المذهب يجب صومه، والحائل هو الذي يمنع من رؤية الشيء، فإن حال بينه وبين رؤيته غيم أو قتر أو دخان كحريق ونحو ذلك فتمتلئ سحب الدخان في السماء فتحجب رؤية الهلال خاصةً إذا كان في جهة المغرب أو كان هناك عجاج من غبار أو نحوه فهذا كله على ظاهر مذهب الإمام أحمد-رحمة الله عليه- أنه يصام.
والصحيح أنه لا يصام كمذهب الجمهور لما ذكرناه من السُّنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فترة الصوم:
الصوم الشرعي هو الإمساك عن المفطرات من الطعام والشراب والجماع بنية من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم يباح ذلك كله طوال الليل، ولقد كان في بادئ الأمر يبدأ وقت الصوم من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس وبعد الغروب تباح الأطعمة والأشربة والجماع إلى أن ينام الصائم، فإذا نام حرم عليه ذلك حتى غروب شمس اليوم التالي، فشق ذلك على الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فرأف بهم أرحم الراحمين، ورفق بالأمة رب العالمين، فنسخ ذلك الأمر، وأصبحت المفطرات مباحة للصائم سواءً نام أم لم ينم، فلله الحمد والمنة، ما أعظمه من إله رحيم رحمان وسعت رحمته كل شيء.
صيام أهل البلاد التي يطول نهارها أو يقصر:
هناك بعض البلدان يطول فيها النهار إلى أشهر عديدة ويقصر فيها الليل، وأخرى يقصر فيها النهار ويطول فيها الليل، وكذلك منطقة القطب المتجمد الشمالي والجنوبي، والتي يمتد فيها النهار إلى ستة أشهر تقريبًا، فكيف يصنع أهل تلك البلاد بصلاتهم وصومهم؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى قولين:
القول الأول:
قال بعض أهل العلم: إن هؤلاء جميعًا لهم حكم واحد وهو أن تقدر أوقات الصلاة والصيام، لكنهم اختلفوا على أي البلاد يكون التقدير على قولين:
الأول: أن يقوموا بتقدير أيامهم ولياليهم وأشهرهم بحساب أوقات أقرب البلاد المعتدلة إليهم، والتي تتميز فيها الأوقات، ويتسع كل من نهارها وليلها لما فرض الله من صلاة وصوم.
الثاني: أوقاتهم على حسب البلاد التي نزل فيها التشريع: مكة أو المدينة، لأن هذا أيسر لهم خصوصًا أنهم يتوجهون إلى الكعبة في صلاتهم كل يوم وليلة.
القول الثاني:
إذا كان يوجد في هذه البلاد نهار وليل، وجب عليهم الصيام مهما كان طول النهار وقصر الليل والعكس كذلك، ومن لم يستطع منهم الصوم أفطر وقضى، وكان حكمه حكم المريض المعذور.
الراجح:
أن البلاد التي فيها ليل ونهار أثناء الصيام، يصومون النهار مهما طال مدته أوقصرت، لأن الحكم منوط بطلوع الفجر وغروب الشمس، قال تعالى:"وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل"، فمادام أنه يوجد ليل ونهار فيصوم المسلم النهار مهما طال، ومن لم يستطع الصوم لطول فترة النهار، فله أن يفطر ويقضي بعد ذلك، شريطة أن يكون صيامه يؤثر عليه، وإلا فلا.
أما البلاد التي لا يوجد بها ليل أو نهار أثناء الصوم، كالتي يكون النهار فيها قرابة الستة أشهر، وكذلك الليل، كالبلاد القطبية، فأولئك يقدرون أوقاتهم حسب أقرب البلاد إليهم. [انظر كتب الصيام، للشيخ / عبد الله الطيار 35] .
النوم والإغماء والجنون:
شهر رمضان، شهر الصيام والقيام، وتحمل المشاق، والبعد عن الرذائل وسفاسف الأمور، ولا ينبغي للمسلم أن يقضيه أو جله في النوم، وما لا فائدة منه، لكن إذا كان هناك من ينام نهار رمضان فما حكم ذلك الفعل؟
الجواب: اختلف العلماء في الصائم إذا نام جميع النهار:
فمنهم من قال: إن النائم يصح صومه، وبناءً على ذلك فلو نام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس قالوا: صومه صحيح بخلاف المجنون والمغمى عليه، وهذا التفريق مبني على الأصل؛ وذلك أن الصحابة كانوا ينامون ولم يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بانتقاض الصوم بالنوم، والإجماع قائم على أن النوم المعتبر كالنوم بين الظهر والعصر والنوم ضحوة ونوم القيلولة أنه لا يبطل الصوم.
ولكن الخلاف إذا نام أكثر النهار أو نام كل النهار فصحح جمع من العلماء-رحمهم الله- التفريق بين الجنون والإغماء والنوم، فقالوا: إن النوم لا يبطل، بخلاف الجنون والإغماء.
وقال بعض العلماء: إذا نام أكثر النهار أو أغلب النهار أو كل النهار بطل صومه؛ وذلك لأن المغتفر في النوم ما كان معتادًا، وما خرج عن العادة فإنه يرجع إلى الأصل، فيكون في حكم المجنون والمغمى عليه فيبطل صومه.
أما بالنسبة للمجنون فبالإجماع أنه لا يطالب بالقضاء، لو أن إنسانًا يصيبه الجنون متقطعًا، فجن من طلوع الفجر إلى مغيب الشمس فإن صومه لا يعتد به حتى ولو صام، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم.
وأما المغمى عليه فللعلماء فيه قولان:
القول الأول: من أهل العلم من يقول: إن المغمى عليه يأخذ حكم المجنون، وبناءً على ذلك لا يلزمه قضاء، ولا يصح صومه.
والقول الثاني: قال بعض العلماء المغمى عليه في حكم النائم فصومه صحيح.