والراجح - والعلم عند الله - أن المغمى عليه في حكم المجنون، وبناءً على ذلك لا يطالب بالقضاء، ولا يصح صومه وعلى هذا فما اشتهر في هذه الأيام مما يسمى بـ (موت السرير أو موت الدماغ) فيكون الإنسان قد زال شعوره وليس فيه إلا نبضات قلبه ويحكم الأطباء بموت دماغه، وقد يستمر في جهاز الإنعاش شهورًا، وقد يستمر سنوات، فمثل هذا غير مكلف، ولا يلزم بالقضاء ولا يلزم أهله بالقضاء أو الإطعام عنه وإنما يسقط عنه التكليف بمجرد موت دماغه، وتقرير الأطباء لذلك. [سيأتي مزيد بيان لهذا الأمر في شروط وجوب الصوم] .
بدعة منكرة:
وهنا مسألة مهمة يفعلها بعض الناس ظنًا منهم بجوازها، والأصل المنع منها، وهي أنه إذا كان آخر يوم أو يومين من شعبان، يعملون الموائد لوجبة من الوجبات الثلاث، توديعًا لشعبان، شهر الأكل كما يظنون، والظاهر أنه اشمئزاز من شهر رمضان، شهر القرآن وشهر المغفرة والرضوان، أو استعدادا لمجابهة الجوع الذي يطنونه، فيملؤون البطون بصنوف النعم، وأنواع الأطمه تخزينًا لشهر الجوع كما يزعمون، ولا شك أن هذا الأمر ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [متفق عليه] ، فقد تستحسن العقول أمرًا يعارض أمر الدين، فإن كان القصد منه استقبال رمضان، فرمضان لا يستقبل بمثل تلك الموائد وملء البطون، بل يقابل بتقوى الله تعالى والخوف منه ورد المظالم إلى أهلها _ وسيأتي بإذن الله في نقطة لا حقة كيف نستقبل شهر رمضان _ وإن كان القصد توديع شعبان، فما علمنا دليلًا من الكتاب والسنة ولا من عمل سلف الأمة يدل على ذلك، بل ذلك بدعة منكرة يجب الابتعاد عنها لما قد تجره من أمور أخرى، فعلى المسلم أن يتبع وألا يبتدع، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه:"اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".
سنة مهجورة:
كم هي السنن المهجورة اليوم بين المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله، بل لقد تعدى الأمر السنن المستحبة إلى السنن الواجبة، فتركوا الواجب فضلًا عن المستحب، ولا شك أن تلك نكبة ونكسة حطت رحالها بالأمة، وبما أن الحديث عن رمضان والصيام، فهناك سنة هجرها المسلمون اليوم، وهي رؤية الهلال بالعين المجردة أو حتى بالمناظير، فرؤية الهلال أمر من الأمور المهمة التي ينبغي أن يحافظ الناس عليها؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية تتوقف على هذه الرؤية، ومن هنا قال العلماء: إن رؤية هلال الشهور كرمضان وذي الحجة ونحوها تعتبر من فروض الكفاية بحيث لو أن أهل بلد قصروا فيها فإنهم يأثمون جيمعًا، فتساهُل الناس في ترائي الهلال يعتبر من المنكرات، ومن الخطأ الشائع الذائع بل ينبغي على طلاب العلم أن يحيوا هذه السُّنة، وكان الناس إلى عهد قريب إذا كان اليوم التاسع والعشرين أو ليلة الثلاثين يخرجون إلى الصحراء لإحياء هذه السُّنة، يخرج طلاب العلم والثقات ينظرون، وحبذا لو يسألون أهل الخبرة ويعرفون منازل القمر قبل مغيبه في الأيام التي تسبق أيام الرؤية حتى يكون عندهم إلمام ومعرفة، ثم بعد ذلك يخرجون لرؤية الهلال ويعرفون درجاته ومنازله حتى يمكنهم أن يثبتوا هذا الأمر لأنهم إذا لم يقوموا بذلك فإنه قد يوجد الهلال ولايتراءاه الناس فيضيع حق الله - عز وجل - وصيام هذه الأيام مركب على وجود هذه الرؤية، وبناءً على ذلك قال العلماء: لاينبغي التساهل في ترائي الهلال، بل إذا تساهل الناس أو انشغلوا ينبغي توصية أناس ولو بالأجرة؛ لأن فروض الكفايات إذا لم يوجد من يقوم بها شرع إعطاء الأجرة لمن يقوم بهذه الرؤية لكي يثبت به حق الله - عز وجل - من صيام الأيام المفروضة.
فائدة:
قال بعض العلماء: لايجوز أن تقول: دخل رمضان، وخرج رمضان، وانتصف رمضان، يعني لا تقول: رمضان بدون كلمة شهر، بل عليك أن تقرنهما فتقول: شهر رمضان، فهل يجوز أن تقول رمضان بدون كلمة شهر، أم لا بد من اقترانهما؟
فمن قال لا يجوز أن تقول رمضان فقط، استدلوا بهذا الحديث:"لاتقولوا: جاء رمضان؛ فإنه اسم من أسماء الله" [وهذا حديث ضعيف] .
والصحيح أنه يجوز أن يقول: جاء رمضان، ومضى رمضان، وانتصف رمضان؛ لأن السُّنة دلت على جواز ذلك وترجم له الإمام البخاري-رحمه الله- في صحيحه.