فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 122

وقد يحتج البعض لقوله صلى الله عليه وسلم"فإن غُمّ عليكم فاقدروا له" [متفق عليه] ، أي ضيقوا له العدة من قوله تعالى:"ومن قدر عليه رزقه"أي ضيق عليه، وتضييق العدة أن يجعل شهر شعبان تسعة وعشرين يومًا، وكان ابن عمر إذا حال دون مطلعه _ أي الهلال _ غيم أو قتر أصبح صائمًا.

والصحيح أن ذلك القول ضعيف مخالف للأحاديث التي يفسر بعضها بعضًا، فمعنى"اقدروا عليه"أي أكملوا عدة شعبان ثلاثين، وهذا ما فسرته الأحاديث الصحيحة الأخرى، لأن السنة يفسر بعضها بعضًا، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، وفي لفظ:"فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة"، وفي لفظ:"فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا".

ولعل ابن عمر رضي الله عنهما استند إلى الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" [متفق عليه] ، قال نافع: كان عبدالله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرين يومًا، بعث من ينظر له الهلال، فإن رأى فذاك، وإن لم يُر، ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا. [الإفصاح 3/ 91] .

وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا حال سحاب أو غيره دون رؤية الهلال فالواجب إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وعدم صوم يوم الشك، لأن الأصل بقاء الشهر، فلا يُنقل عنه إلا بدليل، ولم يوجد دليل، فوجب الفطر. [الإفصاح 3/ 90] .

وأماّ فعل ابن عمر، فليس بحجة لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة. وقد غلط رضي الله عنه أيضًا في أمر اللحية، فكان يأخذ ما زاد عن القبضة إذا حج أو اعتمر، ولا شك أن هذا مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تحريم أخذ شيء من اللحية، وما حصل منه أيضًا من إدخال الماء في عينيه حال الوضوء حتى عمي رضي الله عنه، وكل ذلك اجتهاد منه، فكذلك حصل منه رضي الله عنه غلط في المسألة هنا.

خلاصة مسألة صوم يوم الشك:

إن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين أصبح الناس مفطرين، وهذا بالإجماع، أنهم يصبحون مفطرين، وهذا اليوم هو يوم الشك وهو يوم الثلاثين ويحرم صومه، سمي يوم الشك؛ لأن ليلته تحتمل أن تكون من رمضان، وتحتمل أن تكون من شعبان واليوم نفسه متحمل أن يكون من رمضان فيصام، ويحتمل أن يكون من شعبان فيفطر، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صومه؛ لأن هذا اليوم كما في الصحيحين من حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-: (( لاتَقَدَّموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه ) )وقال عمار بن ياسر - رضي الله عنه - وعن أبيه-:"من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -"، وهذا يدل على أنه يحرم صيام يوم الشك، والعلماء مجمعون من حيث الأصل على كراهة الصوم.

واختلفوا في التحريم، فكانت أسماء وعائشة-رضي الله عنهما- يريان الجواز، وأنه لا حرج على الإنسان أن يصوم يوم الشك، ويعتذر لهما بعدم علمها بالحديث الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه عن صوم يوم الشك.

وقال بعض العلماء: يجوز صومه مع الكراهة؛ ولكن ظاهر الحديث أنه حرام، وأنه لا يجوز له أن يصومه.

بل قال بعض العلماء: أنه يأثم بدل أن يؤجر وهذا هو الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين ) )وهذا نهى، والأصل في النهي أنه يدل على التحريم.

قال العلماء: حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - صيام يوم الشك؛ لأنه ذريعة للتنطع والغلو ولما فيه من مشابهة أهل الكتاب؛ لأن أهل الكتاب فرض عليهم الصيام عدد أيام فزادوا فيها فلما زادوا فيها ابتدعوا في دين الله ما ليس منه وهذا على سبيل الشك والوسوسة.

وقال بعض العلماء: إنما حَرُم صيام يوم الشك لما فيه من إدخال الوسوسة على الناس، وبناء الشريعة على الوسوسة؛ لأنه ليس من رمضان فيصومه وهو يعتقد أنه من رمضان، ويدل على ذلك قوله: (( إلا رجل كان يصم صومًا فليصمه ) )فدل على أنه غير قاصد لرمضان، فكأنه يستثنيه إذا لم يقصد أنه من رمضان، وهذا هو الأولى، والصحيح أنه لا يجوز صيام يوم الشك وأن صومه حرام على ظاهر النهي إلا إذا وافق صوم إنسان، كأن تكون من عادتك أن تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فوافق يوم الشك يوم الاثنين أو يوم الخميس فتصوم ولا حرج، أو يكون من عادتك أن تصوم يومًا وتفطر يومًا فأفطرت يوم التاسع والعشرين ووافق أن الثلاثين شك وثبت أنه ليس من رمضان فأحببت أن تصومه فحينئذٍ لا حرج، وعلى هذا فإن الإنسان إذا كان من عادته أن يصوم أو نذر نذرًا فإنه يصوم ولا حرج عليه، وأما ما عدا ذلك فإنه باق على الأصل الموجب للحرمة والمنع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت